مجمع البحوث الاسلامية
492
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ الحجرات : 9 . فأمر اللّه بقتال الفئة الباغية ، ولا بغي أشدّ من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق ؛ فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حقّ . [ إلى أن قال : ] وذهب قوم من الحشويّة إلى أنّ على من قصده إنسان بالقتل أن لا يقاتله ولا يدفعه عن نفسه حتّى يقتله ، وتأوّلوا فيه هذه الآية . وقد بيّنّا أنّه ليس في الآية دلالة على أنّه كفّ يده عن قتله حين قصده بالقتل ، وإنّما الآية تدلّ على أنّه لا يبدأ بالقتل - على ما روي عن ابن عبّاس - ولو ثبت حكم الآية على ما ادّعوه لكان منسوخا بما ذكرنا من القرآن والسّنّة ، واتّفاق المسلمين . ( 2 : 401 ) الطّوسيّ : في هذه الآية إخبار عن ولد آدم المقتول ، وهو هابيل أنّه قال لأخيه حين هدّده بالقتل - لمّا تقبّل قربانه ولم يتقبّل قربان أخيه - فقال : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ معناه لئن مددت إليّ يدك - والبسط هو المدّ وهو ضدّ القبض - ( لتقتلني ) ، معناه لأن تقتلني ، ما أنا باسط يدي إليك لأن أقتلك . فإن قيل : لم قال ذلك وقد وجب بحكم العقل الدّفع عن النّفس وإن أدّى إلى قتل المدفوع ؟ قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أنّ معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك ، لا على أنّي لا أدفعك عن نفسي إذا قصدت قتلي ، هذا قول ابن عبّاس وجماعة . وقيل : إنّه قتله غيلة بأن ألقى عليه - وهو نائم - صخرة شدخه بها . الثّاني : قال الحسن ومجاهد والجبّائيّ : إنّه كان كتب عليهم إذا أراد الرّجل قتل رجل تركه ولم يمتنع منه . وكان عمرو بن عبيد يجيز الوجهين ، وهو الأقوى ، لأنّ كلا الأمرين جائز . فإن قيل : كيف يجوز الوجه الأخير وفيه إطماع في النّفس ؟ قلنا : ليس فيه شيء من ذلك ، لأنّه يجري مجرى قول القائل لغيره : لئن ظلمتني لم أظلمك ، ولئن قبحت في أمري لم أقبح في أمرك . بل في ذلك غاية الزّجر والرّدع عن القبيح ، لأنّ القبيح منفر عن نفسه صارف عن فعله . واللّام في قوله : ( لئن ) لام القسم ، وتقديره : أقسم لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ، وجوابه ما أَنَا بِباسِطٍ ، ولا تقع ( ما ) جوابا للشّرط ، والفرق بينهما أنّ ل ( ما ) صدر الكلام ، والقسم لا يخرجها عن ذلك . كما جاز أن يكون جواب القسم ب ( أن ) ولام الابتداء ، ولم يجز بالفاء ، لأنّ المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم ، وإنّما القسم يؤكّده ، وجواب الشّرط يجب بوجوبه ، وإذا اجتمع القسم والجزاء كان جواب القسم أولى من جواب الجزاء ، لأنّه لمّا تقدّم وصار الجزاء في حشو الكلام ، غلبه على الجواب فصار له ، واكتفى به من جواب الجزاء ، لدلالته عليه . ( 3 : 493 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 183 ) القرطبيّ : أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك ، فهذا استسلام منه . وقيل : أراد لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ظلما فما أنا