مجمع البحوث الاسلامية

480

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولعلّ ما جاء هنا بمعنى : سوق الدّوابّ وزجرها ، هو من مادّة « ن س س » يقال منه : نسّ الإبل ينسّها نسّا ونسنسها أيضا ، أي ساقها ، ونسّ النّاقة والشّاة : زجرها ، فقال لها : إس إس ، وكذا أسسها . أو لعلّ بين هذه الموادّ - وهي « أس س » و « ب س س » و « ن س س » و « ن س ن س » - اشتقاق أكبر ، فهي إذا أصول برؤوسها . 3 - وممّا تواردت فيه « ب س س » و « ن س س » تسميتهم لمكّة الباسّة والنّاسّة ، قال ابن الأثير في « ب س س » : سمّيت بها لأنّها تحطم من أخطأ فيها . وقال في « ن س س » : من بغى فيها أو أحدث فيها حدثا أخرج عنها ، فكأنّها ساقته ودفعته عنها . ونحسب أحدهما تصحيفا للآخر ، لأنّ المتقدّمين كانوا يكتبون الألفاظ بدون تنقيط ، فاشتبه الأمر على من جاء بعدهم ، وتردّدوا في فاء هذا اللّفظ بين الباء والنّون . 4 - ومن ذلك أيضا قول الحجّاج للنّعمان بن زرعة : « أمن أهل الرّسّ والبسّ أنت » ؟ وروي بالنّون أيضا ، وقد ذكر ابن الأثير كلا الرّوايتين ، فقال في « ب س س » : البسّ : الدّسّ ، يقال : بسّ فلان لفلان من يتخبّر له خبره ويأتيه به ، أي دسّه إليه . وقال في « ن س س » : يقال : نسّ فلان لفلان ، إذا تخبّر ، والنّسيسة : السّعاية . ويبدو واضحا هنا أنّ « البسّ » مصحّف « النّسّ » ، لأنّ هذا المعنى - أي السّعاية بين النّاس - محفوظ في « ن س س » ، ومنه : النّسيسة ، أي السّعي بين النّاس والإيكال بينهم ، والنسائس : النّمائم ، ومثله : أسّ بينهم يؤسّ أسّا ، ورجل أسّاس : نمّام مفسد ، وكذا البسبسة ، أي السّعاية بين النّاس ، فبين « أس س » و « ن س س » و « ب س ب س » اشتقاق أكبر . وأمّا ما قيل : بسّ عقاربه ، أي أرسل نمائمه وأذاه ، فهو تصحيف « ن س س » . 5 - ولفظ « بس » بمعنى « حسب » فارسيّ ، ولقد جاء في الفارسيّة القديمة « الفهلويّة » بلفظ « وس » بالواو . الاستعمال القرآنيّ جاء البسّ في القرآن بمعنى « الفتّ » مرّتين ، في آية واحدة : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا الواقعة : 4 ، 5 يلاحظ أوّلا : أنّ هذه الآية درجت في آيات سورة مكّيّة تتحدّث عن موضوعين متلازمين : الأوّل : قيام السّاعة ، وتصنيف النّاس في يوم القيامة ثلاثة أصناف : وهم السّابقون ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشّمال ، ووصف حال كلّ صنف في ذلك اليوم العصيب ، وهو بمثابة مقدّمة للموضوع الثّاني . الثّاني : محاججة الكافرين وتعنيفهم ، ثمّ تختم السّورة بتكرار ما يؤول إليه مصير الأصناف الآنفة الذّكر بصورة موجزة . ثانيا : عبّر القرآن عن تلاشي الجبال واضمحلاله عند قيام السّاعة بالألفاظ التّالية : 1 - التّسيير : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً الكهف : 47