مجمع البحوث الاسلامية

452

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مسلك المكّيّات ، وهي الدّعوة إلى أصول الإيمان الّتي تستدعي إقامة البرهان عليها . ثانيا : أنّ أربعا منها ، وهي ( 3 ) و ( 5 ) و ( 6 ) و ( 7 ) - وكلّها مكّيّة - جاء فيها الحديث عن التّوحيد ورفض الشّرك بطريقين : إمّا بإعلان أنّ من يشرك باللّه لا برهان له كما في ( 3 ) ، أو بمطالبته البرهان على شركه ، وهذا بدوره يتناسق مع المكّيّات ، فإنّ الدّعوة إلى التّوحيد وإدانة الشّرك أساس دعوتها . ثالثا : أنّ آية النّساء - وهي مدنيّة - تخاطب النّاس جميعا في مجيئهم برهان من ربّهم ونور مبين ، وليس المراد بالبرهان الحجّة حسب اصطلاح المتكلّمين ، بل المراد به النّبيّ عند أكثر المفسّرين ، بدعوى أنّ النّبيّ بنفسه برهان بماله من آثار الصّدق وأمارات النّبوّة ، كما أوضحه رشيد رضا ، أو بما لديه من المعجزات والبيّنات ، كما قال به آخرون . ثمّ اختلفوا في تفسير ( نُوراً مُبِيناً ) ، أهو القرآن - وهو الأقرب - كما يشهد له ( أنزلنا ) ، أم المعجزات ، أم ولاية عليّ وآل البيت ، كما جاء في الرّوايات التّأويليّة عند الشّيعة ؟ فلاحظ . رابعا : جاء اثنتان منها - وهي ( 2 ) و ( 8 ) - بشأن نبيّين من أنبياء بني إسرائيل ، وواحد - وهي ( 4 ) - بشأن ادّعائهم بأنّه لا يدخل الجنّة غيرهم . أمّا النّبيّان فأوّلهما يوسف عليه السّلام ؛ حيث رأى برهان ربّه ، فتأبّى على الإثم ، واستمسك عن ارتكاب الفاحشة . وقد اختلفوا في هذا البرهان اختلافا فاحشا حسب الرّوايات والأقوال ، فعند المعتزلة ومن قال بقولهم أنّه العصمة واللّطف الخاصّ الّذي أحاط بيوسف من اللّه ، وعند أهل الحديث ما ورد في الأحاديث . وثانيهما موسى عليه السّلام حين قدم من مدين إلى مصر في الوادي الأيمن ؛ حيث أراه اللّه معجزة العصا واليد البيضاء ، فقال له : فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ، فالمراد بالبرهان هنا : المعجزتان ، ليس غير . وأمّا في الثّالثة فالمراد بالبرهان : الحجّة على ادّعائهم الباطل . خامسا : وقد ظهر ممّا بيّنّا أنّ « البرهان » في خمس من الآيات - وهي ( 3 ) إلى ( 7 ) - جاء بمعنى الحجّة ، وفي سائر الآيات بمعنى النّبيّ والمعجزات .