مجمع البحوث الاسلامية
444
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ الصّفّ : 2 ، 3 . وأيضا أنّ اللّه تعالى عيّر اليهود بقوله : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ البقرة : 44 ، وما يكون عيبا في حقّ اليهود كيف ينسب إلى الرّسول المؤيّد بالمعجزات ! وأمّا الّذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السّلام فقد ذكروا في تفسير ذلك « البرهان » أمورا : الأوّل : قالوا : إنّ المرأة قامت إلى صنم مكلّل بالدّرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال يوسف : لم فعلت ذلك ؟ قالت : أستحيي من إلهي هذا أن يراني على معصية . فقال يوسف : أتستحيين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحيي من إلهي القائم على كلّ نفس بما كسبت ، فو اللّه لا أفعل ذلك أبدا . قالوا : فهذا هو البرهان . الثّاني : نقلوا عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّه تمثّل له يعقوب فرآه عاضّا على أصابعه ، ويقول له : أتعمل عمل الفجّار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء ، فاستحى منه . الثّالث : قالوا : إنّه سمع في الهواء قائلا يقول : يا ابن يعقوب لا تكن كالطّير يكون له ريش ، فإذا زنى ذهب ريشه . الرّابع : نقلوا عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّ يوسف عليه السّلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتّى ركضه جبريل عليه السّلام ، فلم يبق فيه شيء من الشّهوة إلّا خرج . ولمّا نقل الواحديّ هذه الرّوايات تصلّف ، وقال : « هذا الّذي ذكرناه قول أئمّة التّفسير الّذين أخذوا التّأويل عمّن شاهد التّنزيل » . فيقال له : إنّك لا تأتينا ألبتّة إلّا بهذه التصلّفات الّتي لا فائدة فيها ، فأين هذا من الحجّة والدّليل ، وأيضا فإنّ ترادف الدّلائل على الشّيء الواحد جائز ، وأنّه عليه الصّلاة والسّلام كان ممتنعا عن الزّنى بحسب الدّلائل الأصليّة ، فلمّا انضاف إليها هذه الزّواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز . والعجب أنّهم نقلوا : أنّ جروا دخل حجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبقي هناك بغير علمه ، قالوا : فامتنع جبريل عليه السّلام من الدّخول عليه أربعين يوما . وهاهنا زعموا : أنّ يوسف عليه السّلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السّلام . والعجب أنّهم زعموا : أنّه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السّلام ، ولو أنّ أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة ، فإذا دخل عليه رجل على زيّ الصّالحين استحيا منه وفرّ ، وترك ذلك العمل . وهاهنا أنّه رأى يعقوب عليه السّلام عضّ على أنامله فلم يلتفت إليه ، ثمّ إنّ جبريل عليه السّلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره ، حتّى احتاج جبريل عليه السّلام إلى أن يركضه على ظهره . فنسأل اللّه أن يصوننا عن الغيّ في الدّين ، والخذلان في طلب اليقين ، فهذا هو الكلام الملخّص في هذه المسألة واللّه أعلم . ( 18 : 119 ) أبو حيّان : [ وبعد نقل أقوال المتقدّمين قال : ] وأمّا أقوال السّلف فنعتقد أنّه لا يصحّ عن أحد منهم