مجمع البحوث الاسلامية
440
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في جانب ، وتقصير من جوانب أخرى ، جاء هذا النّداء الكريم من قبل الحقّ ، دعوة عامّة للنّاس جميعا ، أن ينظروا في أنفسهم ، وأن يدعوا هذا الضّلال الّذي هم فيه ، وأن يتلفّتوا إلى هذا الرّسول الكريم ، الّذى هو برهان مبين ، وحجّة مشرقة لا يزيغ عنها إلّا ضالّ ، ولا يجحد بها إلّا هالك ، فإنّها تحمل بين يديها هذا النّور السّماويّ ، الّذي فيه تبصرة لأولي الألباب ، وهدى للمتّقين . ووصف الرّسول الكريم بأنّه برهان من عند اللّه ، لما يحمل من الأمارات الدّالّة على أنّه رسول ربّ العالمين ، تحدّثت به التّوراة ، وتحدّث به الإنجيل ، وعرف أهل الكتاب من اليهود والنّصارى صفته ، فجاء على الوصف الّذي يعرفونه ، ثمّ جحدوه وأنكروه ، فهو حجّة قائمة عليهم ، ودينونة معلّقة في أعناقهم . ( 3 : 1019 ) مكارم الشّيرازيّ : لقد توجّه الخطاب أوّلا إلى عامّة النّاس ، مبيّنا أنّ اللّه قد بعث من جانبه نبيّا يحمل معه الدّلائل والبراهين الواضحة ، وبعث معه النّور المبين المتجسّد في القرآن الكريم الّذي يهدي إلى طريق السّعادة الأبديّة ، حيث تقول الآية الأولى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً النّساء : 174 . ويعتقد بعض العلماء أنّ كلمة ( برهان ) المشتقّة من المصدر « بره » على وزن « فرح » تعني الابيضاض - ولمّا كانت الأدلّة الواضحة تجلي للسّامع وجه الحقّ وتجعله واضحا مشرقا أبيض لذلك سمّيت ب « البرهان » . والمقصود ب « البرهان » الوارد في الآية موضوع البحث - وكما يقول جمع من المفسّرين وتؤكّد ذلك القرائن - هو شخص نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله . وأنّ المقصود ب « النّور » هو القرآن المجيد الّذي عبّرت عنه آيات أخرى بالنّور أيضا . وقد فسّرت الأحاديث المتعدّدة المنقولة عن أهل البيت عليهم السّلام - والّتي أوردتها تفاسير « نور الثّقلين » و « عليّ بن إبراهيم » و « مجمع البيان » - أنّ « البرهان » هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، و « النّور » هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . ولا يتنافى هذا التّفسير مع ذلك الّذي أوردناه قبله ، حيث يمكن أن يقصد بعبارة « النّور » معان عديدة لتشمل « القرآن » و « أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام » الّذي يعتبر حافظا ومفسّرا للقرآن ومدافعا عنه . وتوضح الآية الثّانية عاقبة أنواع هذا البرهان وهذا النّور ، فتؤكّد على أنّ الّذين آمنوا باللّه وتمسّكوا بهذا الكتاب السّماويّ ، سيدخلهم اللّه عاجلا في رحمته الواسعة ، ويجزل لهم الثّواب من فضله ورحمته ، ويهديهم إلى الطّريق المستقيم . تقول الآية : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً النّساء : 175 . ( 3 : 496 ) 2 - وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ . يوسف : 24 ابن عبّاس : نودي يا يوسف أتزني ؟ فتكون كالطّير