مجمع البحوث الاسلامية

432

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

اعتبارا من قوله : أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ إلى قوله : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وأخيرا ذكرت بعض النّعم ، ثمّ انتهت بقوله : وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ 88 ، 89 وقد تشابكت الأمور في هذه السّورة على المشركين بلومهم وذكر ما أنعم اللّه عليهم وسرد العبر لهم . كما تصدرّت السّورة وتخلّلتها آيات بشأن القرآن ( 1 - 4 ) و ( 31 ) و ( 43 ) و ( 44 ) : حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . . . وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ . . . ، فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ . . . ثانيا : وسياق آيات هذه السّورة الّذي يمتاز بالتّجانس الموضوعيّ المتمثّل بمكافحة الشّرك ومقارعة المشركين ، والتّجانس اللّفظيّ المتمثّل بوحدة الرّويّ - كما هو شأن السّور المكّيّة - يحملنا على القول بأنّ كلمة ( أم ) في صدر الآية هي متّصلة ، كما ذهب إليه بعض المفسّرين ، فتكون عطفا على آخر آية تنحي باللّائمة عليهم ، وهو قوله تعالى : بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ الزّخرف : 22 ، ولا يمنع ذلك وقوع آيات متباينة الموضوع بينهما ، ومثله كثير في القرآن . وهذا الّذي اخترناه أولى من قول القرطبيّ بأنّه عطف على قوله : أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ الزّخرف : 45 ، أو تعقيب لقوله قبله : لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ الزّخرف : 78 ، أي ولقد جئناكم بالحقّ فلم تسمعوا ، أم سمعوا فأعرضوا ، لأنّهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب . كما أنّه أولى من قول بعضهم : إنّ ( أم ) منقطعة بمعنى « بل » للإضراب عمّا قبلها من الخطاب الّذي وجّه إليهم ، والّذي كان من شأنه أن يحدث لهم ذكرا ، وأن ينقادوا للحقّ ويذعنوا له ، ولكنّهم أبرموا أمرا على الضّلال فلا ينتفعون به . ثالثا : ورد سياق الآية على نمط الازدواج ، وهو بين ( ابرموا ) و ( مبرمون ) ، أي أحكموا أمرا في شأن الرّسول ، فإنّا محكمون بمجازاتهم . وهذا نظير قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً النّمل : 50 ، وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها الشّورى : 40 ، وقوله : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ الطّور : 42 ، وكلّ هذه الآيات مكّيّة أيضا . رابعا : تعتبر هذه الآية آخر خطاب لهم في السّورة ، فلا مجال بعد ذلك لمحاجّتهم ، ويتلوها قوله في نهاية السّورة : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . الزّخرف : 89 .