مجمع البحوث الاسلامية

395

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . الأعراف : 31 ، 32 . فراجع تفسيرهما في الجزء الثّامن من التّفسير ، فهذا بيان لكون أصل الدّين يقتضي سعادة الدّنيا قبل الآخرة ، من أوّل النّشأة البشريّة في عهد آدم ، وتقدّم آنفا ما أنزله تعالى على نوح ، وهو الأب الثّاني للبشر ، وقال تعالى حكاية عن هود : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ هود : 52 . وهذه الآيات كلّها حجج على أعداء الإسلام من المنتمين إليه ومن غيرهم ، الزّاعمين أنّه - وكذا كلّ دين إلهيّ - سبب للضّعف والفقر . ( 9 : 24 ) نحوه المراغيّ ( 9 : 14 ) النّهاونديّ : كثيرة ( من السّماء ) بالأمطار النّافعة ، ومن ( الأرض ) بإنبات النّباتات الكثيرة والثّمار والزّروع ، وإكثار المواشي ، وإدامة الأمن والسّلامة ، ولوسّعنا عليهم جميع الخيرات ، ويسّرناها لهم من كلّ جانب . ( 2 : 32 ) سيّد قطب : التّعبير القرآنيّ بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر ، الّذي لا يتخصّص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات . وأمام هذا النّصّ - والنّصّ الّذي قبله - نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشريّة والكونيّة سواء . وأمام عامل من العوامل المؤثّرة في تاريخ الإنسان ، تغفل عنه المذاهب الوضعيّة وتغفله كلّ الإغفال ، بل تنكره كلّ الإنكار . إنّ العقيدة الإيمانيّة في اللّه وتقواه ، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة ، وعن خطّ تاريخ الإنسان . إنّ الإيمان باللّه وتقواه ، ليؤهّلان لفيض من بركات السّماء والأرض . وعدا من اللّه . ومن أوفى بعهده من اللّه ؟ ونحن - المؤمنين باللّه - نتلقّى هذا الوعد بقلب المؤمن ، فنصدّقه ابتداء ، لا نسأل عن علله وأسبابه ، ولا نتردّد لحظة في توقّع مدلوله . نحن نؤمن باللّه - بالغيب - ونصدّق بوعده بمقتضى هذا الإيمان ، ثمّ ننظر إلى وعد اللّه نظرة التّدبّر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علّته وسببه . إنّ الإيمان باللّه دليل على حيويّة في الفطرة ؛ وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطريّة ، وصدق في الإدراك الإنسانيّ ، وحيويّة في البنية البشريّة ، ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود ، وهذه كلّها من مؤهّلات النّجاح في الحياة الواقعيّة . والإيمان باللّه قوّة دافعة دافقة ، تجمع جوانب الكينونة البشريّة كلّها ، وتتّجه بها إلى وجهة واحدة ، وتطلقها تستمدّ من قوّة اللّه ، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها ، وفي دفع الفساد والفتنة عنها ، وفي ترقية الحياة ونمائها . وهذه كذلك من مؤهّلات النّجاح في الحياة الواقعيّة . والإيمان باللّه تحرّر من العبوديّة للهوى ومن العبوديّة للعبيد ، وما من شكّ أنّ الإنسان المتحرّر