مجمع البحوث الاسلامية
344
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تعظيم اللّه وتنزيهه الجمادات والعقلاء ، وأنّ ما لا يعقل منقاد للّه وخاضع كانقياد العقلاء سواء بسواء ، ولا سيّما الملائكة الّذين هم مفطورون على الطّاعة والانقياد . ومن الحقّ أن نذكر : أنّ بعض المفسّرين كانت لهم محاولات جادّة - بناء على ما كان من العلم بهذه الظّواهر الكونيّة في عصرهم - في تفسير : الرّعد والبرق ، كابن عطيّة رحمه اللّه فقد قال : وقيل : إنّ ( الرّعد ) ريح تخفق بين السّحاب ، وروى ذلك عن ابن عبّاس ، واعترض عليه أبو حيّان ، واعتبر ذلك من نزغات الطّبيعيّين ، مع أنّ قول ابن عطيّة أقرب إلى الصّواب ، من تفسير ( الرّعد ) بصوت « الملك » الّذي يسوق السّحاب ، و ( البرق ) بضوء مخراقه . وقد حاول الإمام الرّازيّ التّوفيق بين ما قاله المحقّقون من الحكماء ، وما ورد في هذه الأحاديث والآثار ، وقد أنكر عليه أبو حيّان هذا أيضا . ثمّ ذكر الآلوسيّ آراء الفلاسفة في حدوث الرّعد ، والبرق ، وتكوّن السّحاب ، وأنّه عبارة عن أبخرة متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطّبقة الباردة من الهواء ، ثمّ تكثّفت بسبب البرد ، ولم يقدر الهواء على حملها ، فاجتمعت وتقاطرت ، ويقال لها : مطر . هذا ، وقد أصابوا في تكوّن السّحاب ونزول المطر ، فآخر ما وصل إليه العلم اليوم هو هذا . وأمّا في تكوّن الرّعد والبرق فقد حاولوا وقاربوا ، وإن لم يصلوا إلى الحقيقة العلميّة المعروفة اليوم . وبعد أن ذكر الآلوسيّ الرّدود والاعتراضات على ما قاله الفلاسفة ، وهي - والحقّ يقال - لا تنهض أن تكون أدلّة في ردّ كلامهم ، قال : وقال بعض المحقّقين : لا يبعد أن يكون في تكوّن ما ذكر أسباب عاديّة ، كما في الكثير من أفعاله تعالى ، وذلك لا ينافي نسبته إلى المحدث الحكيم - جلّ شأنه - ومن أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلّيّة ، فإنّ بعضها كالمعلوم بالضّرورة ، قال : وبهذا أنا أقول « 1 » . ونحن أيضا بهذا نقول ، وكون الظّواهر الكونيّة قد جعل اللّه نواميس خاصّة لحدوثها ، لا ينافي قطّ أنّه سبحانه الخالق للكون ، والمدبّر له سبحانه ، فهو تعالى هو الموجد لهذه النّواميس ، وهو الموجد لهذه السّنن الّتي يسير عليها الكون ، فإنّ بعض هذه النّواميس والسّنن أصبحت معلومة فإنكارها باسم الدّين ، أو التّشكيك فيها - ومنها تكوّن السّحب ، وحدوث الرّعد ، والبرق ، والصّواعق - إنّما يعود على الدّين بالضّعف ، ويضرّه أكثر من طعن أعدائه فيه . « أقوال الرّسول عند سماع الرّعد ورؤية البرق » : وقد وردت أحايث أخرى صحاح وحسان ، تبيّن ما كان يقوله صلّى اللّه عليه وآله عند حدوث هذه الظّواهر الكونيّة ، وهي تدلّ على كمال المعرفة باللّه ، وأنّه سبحانه هو المحدث لها ، وأنّها تدلّ على تنزيه اللّه ، وتعظيمه ، وحمده ؛ فقد أخرج أحمد والبخاريّ في الأدب المفرد ، والتّرمذيّ ، والنّسائيّ ، وغيرهم ، عن ابن عمر قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا سمع صوت الرّعد ، والصّواعق قال : اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك » ، لأنّ احتمال الإهلاك والتّعذيب بهذه الآيات
--> ( 1 ) الآلوسيّ 13 : 106 .