مجمع البحوث الاسلامية

279

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يلاحظ أوّلا : أنّ الثّلاث الأولى مدنيّة والثّلاث الأخيرة مكّيّة ، بناء على كون سورة الدّهر مدنيّة ، فكأنّ اللّه تعالى وزّع ( الأبرار ) بين المكّيّ والمدنيّ بالسّويّة ، مع أنّه خصّ ( البرّ ) بالمكّيّ ، و ( البرّ ) بالمدنيّ ، كما سبق . ف ( الأبرار ) كانوا نماذج للعباد الصّالحين وأسوة لهم أمام المؤمنين طيلة نزول الوحي ، سواء في مكّة أم في المدينة ، ليلحقوا بركبهم ويصبحوا أبرارا بإيمانهم وأعمالهم . ثانيا : لقد راعى اللّه تعالى - فضلا عن ذلك - القسط في العدد ، فأتى ب ( الأبرار ) في سورة مدنيّة - آل عمران - مرّتين وفي سورة مكّيّة - المطفّفين - مرّتين أيضا ، وخصّ كلّا من سورتي الإنسان المدنيّة والانفطار المكّيّة بمرّة واحدة . ثالثا : جاء ( الأبرار ) في آيتي آل عمران في سياق بيان عاقبة المؤمنين القدوة ، والّذين آمنوا والّذين اتّقوا في الآخرة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ * وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ دون وصف للأبرار ولا مقارنة فيما بينهم وبين الفجّار ، بخلاف سائر الآيات ، ففيها وصف لهم ، ومقابلة لهم بمن كانوا على خلافهم . رابعا : وصف الأبرار في سورة الدّهر ( 5 - 22 ) بأنّهم يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً إلى قوله : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً * إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً فخصّ ( 17 ) آية من هذه السّورة - الّتي تضمّ ( 30 ) آية - بأوصافهم وعاقبتهم السّعيدة في الدّار الآخرة . وقد جعل الأبرار صنفا مقابلا لصنف الكافرين ، فقال قبل هذه الآيات : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً الدّهر : 4 ، ثمّ عقّبها بذكر الأبرار ووصفهم بتلك الأوصاف السّامية ، فكأنّ اللّه أنزل هذه السّورة في شأن الأبرار ، وأتى بذكر الكافرين استطرادا ، كما هو ديدن القرآن عند المقابلة بين السّعداء والأشقياء ، وبين التّحذير والتّبشير ، لئلّا تخلو السّورة من ذلك . ومن هنا جاء في الرّوايات أنّها نزلت في شأن عليّ وفاطمة وابنيهما عليهم السّلام ، وقال العلّامة الطّباطبائيّ : إنّ سياقها يحكي أنّها نزلت بشأن حادثة خاصّة ، فلاحظ . خامسا : أمّا في سورة الانفطار فقد عكس الوصف ، فجاء بالأبرار إزاء الفجّار : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار : 13 ، 14 ، واكتفى في الأبرار بأنّهم في نعيم ، دون أن يصف هذا النّعيم كما وصفه في سورة الدّهر . أمّا الفجّار الّذين هم في الجحيم فوصفهم بأنّهم يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ الانفطار : 15 ، 16 ، ثمّ وصف يوم الدّين بقوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ الانفطار : 17 - 19 . فنستشفّ من سورة الدّهر أنّ الرّحمة فيها غلّبت على العذاب ، وأنّ العذاب في سورة الانفطار غلّب على الرّحمة . سادسا : وأمّا سورة المطفّفين ففيها ذكر للأبرار مرّتين : مرّة ذكر كتاب الأبرار قبال كتاب الفجّار ، ببدء كلّ منهما ب ( كلّا ) الرّادعة لمن توهّم خلاف ما ذكره في