مجمع البحوث الاسلامية
276
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ومكابدة المشاقّ . ثالثا : لقد تكرّر ( البرّ ) في ( 2 ) و ( 3 ) ابتداء بالنّفي واستثناء ب ( لكنّ ) إثباتا في سياق واحد ، وهذا التّكرار والنّفي والإثبات من أساليب التّأكيد ، وهو هنا مشعر بالاهتمام بتعريف ( البرّ ) والتّعرّف عليه ، والتّمييز بين ما هو برّ حقّا وما ليس كذلك . وجاء ( البرّ ) كذلك في ( 5 ) و ( 6 ) دون تكرار في سياق الجمع بين الأمر والنّهي ، ابتداء بالنّهي عن التّعاون على الإثم والعدوان ثمّ الأمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى في ( 5 ) ، وعن التّناجي بالإثم والعدوان ، والأمر بالتّناجي بالبرّ والتّقوى في ( 6 ) . وهذا الجمع بين النّهي عن شيء والأمر بضدّه من أساليب التّأكيد أيضا ، وقد نبّهنا عليه مرارا . رابعا : قد جاء الْبِرِّ وَالتَّقْوى فيهما قبال الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فضلا عن زيادة معصية الرّسول في ( 6 ) ، فالبرّ مقابل للإثم ، والعدوان مقابل للتّقوى ، أو ما في كلّ منهما مقابل الآخر ، والأوّل أقرب ، لأنّ الإثم فيه الضّيق والعسر ، والبرّ من البرّ ، ففيه السّعة والسّهولة . كما أنّ العدوان ينبئ عن إطلاق عنان الهوى بمجانبة الحقّ ، والتّقوى هو كبح جماح الهوى وملازمة الحقّ . وقد تناولنا هاتين الآيتين في « أث م » بحثا وتفصيلا « 1 » . خامسا : نفى في الآية ( 2 ) البرّ بتولّي الوجوه قبل المشرق والمغرب ، وأثبته بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، قاصدا نفي كون التّولّي بنفسه من دون الإيمان والعمل الصّالح برّا ، بل إنّما يكون برّا إذا كان حاويا لما ذكر . وقد جاء ( من ) ، أي الفاعل ، بدل الفعل ، وهو من باب إعطاء الحكم بالعامل به ، وفيه طرافة وحسن دقيق ؛ إذ كأنّه قال : إذا تريدون أن تعرفوا البرّ ، فانظروا إلى من يؤمن باللّه . . . وهذه الآية جديرة بالبحث والتّفصيل ، وقد جعلها الشّيخ شلتوت في تفسيره فاصلة بين ما قبلها وما بعدها من الآيات في سورة البقرة ، لاحظ « أم ن » وغيرها . سادسا : أكّد القرآن في ( 1 ) أنّ أمر النّاس بالبرّ لا يستحسن ، بل غير ذي جدوى ، إلّا أن يتلبّس الآمر به ، وإلّا فيصبح هواء في شبك . سابعا : كذلك أكّد في ( 2 ) أنّ الإنفاق ممّا يحبّه الإنسان هو الطّريق الوحيد لنيل البرّ ، فهناك ملازمة بين التّخلّي عمّا يحبّه الإنسان بإنفاقه وبين البرّ ، وهذا من أحرج الأمور ، لأنّ حبّ الشّيء يدعو إلى الضّنّ به ، فإنفاقه لا يتيسّر إلّا بالتّخلّي عن هذا الحبّ والميل النّفسانيّ ، وهو من الجهاد الأكبر . ب - البرّ ، بفتح الباء : جاء في ثلاث آيات : 1 - إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ الطّور : 28 2 - وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا مريم : 14 3 - وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا مريم : 32 يلاحظ أوّلا : أنّ ( البرّ ) اختصّ بالسّور المكّيّة ، كما اختصّ ( البرّ ) بالسّور المدنيّة ، فكأنّ اللّه تعالى وزّع « البرّ » اسما ووصفا بين المدينة ومكّة ، فوهب مكّة
--> ( 1 ) راجع المعجم ( 1 : 323 ) .