مجمع البحوث الاسلامية
262
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
هذا التّقدير صعب الكلام في نظم الآية ، فإنّ القوم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحكمة في تغيّر نور القمر ، فذكر اللّه تعالى الحكمة في ذلك ، وهي قوله : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ البقرة : 189 ، فأيّ تعلّق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر ، وبين هذه القصّة ، ثمّ القائلون بهذا القول أجابوا عن هذا السّؤال من وجوه : أحدها : أنّ اللّه تعالى لمّا ذكر أنّ الحكمة في اختلاف أحوال الأهلّة جعلها مواقيت للنّاس والحجّ ، وكان هذا الأمر من الأشياء الّتي اعتبروها في الحجّ ، لا جرم تكلّم اللّه تعالى فيه . وثانيها : أنّه تعالى إنّما وصل قوله : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها بقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ لأنّه اتّفق وقوع القصّتين في وقت واحد ، فنزلت الآية فيهما معا في وقت واحد ، ووصل أحد الأمرين بالآخر . وثالثها : كأنّهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلّة ، فقيل لهم : اتركوا السّؤال عن هذا الأمر الّذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهمّ لكم ، فإنّكم تظنّون أنّ إتيان البيوت من ظهورها برّ ، وليس الأمر كذلك . القول الثّاني في تفسير الآية : أنّ قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها مثل ضربه اللّه تعالى لهم ، وليس المراد ظاهره . وتفسيره : أنّ الطّريق المستقيم المعلوم ، هو أنّ يستدلّ بالمعلوم على المظنون ، فأمّا أن يستدلّ بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب ، وضدّ الحقّ . وإذا عرفت هذا فنقول : إنّه قد ثبت بالدّلائل أنّ للعالم صانعا مختارا حكيما ، وثبت أنّ الحكيم لا يفعل إلّا الصّواب البريء عن العبث والسّفه ، ومتى عرفنا ذلك ، وعرفنا أنّ اختلاف أحوال القمر في النّور من فعله ، علمنا أنّ فيه حكمة ومصلحة ، وذلك لأنّ علمنا بهذا الحكيم الّذي لا يفعل إلّا للحكمة ، يفيدنا القطع بأنّ فيه حكمة ، لأنّه استدلال بالمعلوم على المجهول ، فأمّا أن يستدلّ بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أنّ فاعله ليس بحكيم ، فهذا الاستدلال باطل ، لأنّه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم . إذا عرفت هذا فالمراد من قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها يعني أنّكم لمّا لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر ، صرتم شاكّين في حكمة الخالق ، فقد أتيتم الشّيء لا من البرّ ولا من كمال العقل ، إنّما البرّ بأن تأتوا البيوت من أبوابها ، فتستدلّوا بالمعلوم المتيقّن وهو حكمة خالقها ، على هذا المجهول ، فتقطعوا بأنّ فيه حكمة بالغة ، وإن كنتم لا تعلمونها . فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطّريق الصّحيح ، وإتيانها من أبوابها كناية عن التّمسّك بالطّريق المستقيم . وهذا طريق مشهور في الكناية ، فإنّ من أرشد غيره إلى الوجه الصّواب يقول له : ينبغي أن تأتي الأمر من بابه ، وفي ضدّه يقال : إنّه ذهب إلى الشّيء من غير بابه ، قال تعالى : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ آل عمران : 187 ، وقال : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا هود : 92 ، فلمّا كان هذا طريقا مشهورا معتادا في الكنايات ، ذكره