مجمع البحوث الاسلامية

258

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وصفتهم الآيات بأنّهم عباد اللّه وأنّهم المقرّبون ، وقد وصف اللّه سبحانه عباده فيما وصف بقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الحجر : 42 ، ووصف المقرّبين بقوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الواقعة : 10 - 12 ، فهؤلاء هم السّابقون في الدّنيا إلى ربّهم السّابقون في الآخرة إلى نعيمه ، ولو أدمت البحث عن حالهم فيما تعطيه الآيات لوجدت عجبا . وقد بان ممّا مرّ أنّ ( الأبرار ) أهل المرتبة العالية من الإيمان ، وهي المرتبة الرّابعة على ما مرّ بيانه سابقا ، قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأنعام : 82 . ( 1 : 428 ) حسنين مخلوف : ( البرّ ) : اسم جامع لكلّ خير ، ولكلّ طاعة وقربة إلى اللّه تعالى ، أي ولكنّ البرّ برّ من آمن ؛ وحذف المضاف على حدّ : الجود حاتم ، أي الجود جود حاتم ، أو ولكنّ البرّ ، أي البارّ من آمن ، على أنّه اسم فاعل من برّ يبرّ فهو برّ ، وأصله : برر ، فلمّا أريد الإدغام نقلت كسرة الرّاء إلى ما قبلها بعد سلب حركتها . وقد اشتملت الآية على خمسة عشر نوعا من أنواع البرّ ، وهي ردّ لما زعمته اليهود من أنّ ( البرّ ) هو مجرّد التّوجّه إلى جهة المغرب ، وما زعمته النّصارى من أنّه مجرّد التّوجّه إلى جهة المشرق ، أي ليس البرّ كلّه فيما زعموا وإنّما فيما بيّنته الآية . ( 58 ) مكارم الشّيرازيّ : ذكرنا في تفسير آيات تغيير القبلة ، أنّ النّصارى كانوا يتّجهون في عباداتهم نحو الشّرق واليهود نحو الغرب ، وقرّر اللّه الكعبة قبلة للمسلمين ، وكانت في اتّجاه الجنوب وسطا بين الاتّجاهين . ومرّ بنا الحديث عن الضّجّة الّتي أثيرت بين أعداء الإسلام والمسلمين الجدد بشأن تغيير القبلة . الآية أعلاه تخاطب هؤلاء ، وتقول : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . البرّ ، في الأصل : التّوسّع ، ثمّ أطلق على أنواع الإحسان ، لأنّ الإنسان بالإحسان يخرج من إطار ، ذاته ليتّسع ويصل عطاؤه إلى الآخرين . والبرّ ، بفتح الباء : فاعل البرّ ، وهي في الأصل الصّحراء والمكان الفسيح ، وأطلقت على المحسن بنفس اللّحاظ السّابق . ثمّ يبيّن القرآن أهمّ أصول البرّ والإحسان ، وهي ستّة ، فيقول : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ . هذا هو الأساس الأوّل : الإيمان بالمبدأ والمعاد ، والملائكة المأمورين من قبل اللّه ، والمنهج الإلهيّ ، والنّبيّين الدّعاة إلى هذا المنهج . والإيمان بهذه الأمور يضيء وجود الإنسان ، وتخلق فيه الدّافع القويّ للحركة على طريق البناء ، والأعمال الصّالحة . جدير بالذّكر أنّ الآية تقول : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ . . . ولم تقل ولكنّ البرّ بفتح الباء ، أو البارّ بصيغة اسم الفاعل ، أي إنّ الآية استعملت المصدر بدل الوصف ، وهذا يفيد بيان أعلى درجات التّأكيد في اللّغة العربيّة ، فحين يقول أحد : عليّ عدل ، فهو يقصد أنّه عادل للغاية ، وحين يقول : بني أميّة ذلّ الإسلام ، فيعني أنّ كلّ وجودهم ذلّ للإسلام .