مجمع البحوث الاسلامية
256
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المعنى ، لأنّ كلّ فريق يدّعي أنّ ( البرّ ) هذا ، فيجب أن يكون الرّدّ موافقا لدعواهم ، وما ذلك إلّا بكون ( البرّ ) اسما كما يفصح عنه جعله مخبرا عنه في الاستدراك ، بقوله عزّ وجلّ : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . وهو تحقيق للحقّ بعد بيان بطلان الباطل ، وتفصيل لخصال ( البرّ ) ممّا لا يختلف باختلاف الشّرائع ، وما يختلف باختلافها ، أي ولكن البرّ المعهود الّذي يحقّ أن يهتمّ بشأنّه ويجدّ في تحصيله برّ من آمن باللّه وحده إيمانا بريئا من شائبة الإشراك ، لا كإيمان اليهود والنّصارى المشركين بقولهم : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقولهم : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . ( 1 : 234 ) نحوه البروسويّ ( 1 : 281 ) ، والآلوسيّ ( 2 : 45 ) . رشيد رضا : ادّعى « الجلال » أنّ هذه الآية نزلت للرّدّ على النّصارى الّذي يولّون وجوههم في صلاتهم قبل المشرق ، واليهود الّذي يولّونها قبل بيت المقدس . وهذا ادّعاء لم يثبت ، والصّحيح قريب منه وهو : أنّ أهل الكتاب أكبروا أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدّم في آيات التّحويل وحكمه ، وطال خوضهم فيها حتّى شغلوا المسلمين بها ، وغلا كلّ فريق في التّمسّك بما هو عليه وتنقيص مقابله ، كما هو شأن البشر في كلّ خلاف يثير الجدل والنّزاع . فكان أهل الكتاب يرون أنّ الصّلاة إلى غير قبلتهم لا تقبل عند اللّه تعالى ، ولا يكون صاحبها على دين الأنبياء ، والمسلمون يرون أنّ الصّلاة إلى المسجد الحرام هو كلّ شيء ، لأنّه قبلة إبراهيم وأوّل بيت وضع لعبادة اللّه تعالى وحده . فأراد اللّه تعالى أن يبيّن للنّاس كافّة أنّ مجرّد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البرّ المقصود من الدّين ، ذلك أنّ استقبال الجهة المعيّنة إنّما شرّع لأجل تذكير المصلّي بالإعراض عن كلّ ما سوى اللّه تعالى في صلاته ، والإقبال على مناجاته ودعائه وحده ، وليكون شعارا لاجتماع الأمّة . فتولية الوجه وسيلة للتّذكير بتولية القلب ، وليس ركنا من العبادة بنفسه ، وأن يبيّن لهم أصول البرّ ومقاصد الدّين فقال : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . قرأ حمزة وحفص بنصب ( البرّ ) والباقون برفعه ، وكلاهما ظاهر . والبرّ ، بكسر الباء لغة : التّوسّع في الخير ، مشتقّ من « البرّ » بالفتح ، وهو مقابل البحر في تصوّر سعته ، كما قال الرّاغب . وشرعا : ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصّالحة . وتوجيه الوجوه إلى المشرق أو المغرب ليس هو البرّ ولا منه ، بل ليس في نفسه عملا صالحا ، كما تقدّم شرحه في آيات تحويل القبلة ، وأحلنا فيه على هذه الآية الّتي بيّن اللّه فيها مجامع البرّ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ . قرأ الجمهور ( لكنّ ) بالتّشديد ونافع وابن عامر بالتّخفيف ، أي ولكن جملة البرّ هو من آمن باللّه إلخ . وفيه الإخبار عن المعنى بالذّات ، وهو معهود في الكلام العربيّ الفصيح ، والقرآن جار على الأساليب العربيّة الفصحى ، لا على فلسفة النّحاة وقوانينهم الصّناعيّة ، وبلاغة هذه الأساليب إنّما هي في إيصال