مجمع البحوث الاسلامية
254
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لأنّه ميلاد عيسى على نبيّنا وعليه السّلام ، لقوله تعالى : ( مكانا شرقيّا ) واليهود مغربه ، والآية ردّ على الفريقين . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ البقرة : 177 ، البرّ معنى من المعاني فلا يكون خبره الذّوات إلّا مجازا ، فإمّا أن يجعل ( البرّ ) هو نفس ( مَنْ آمَنَ ) على طريق المبالغة قاله أبو عبيدة ، والمعنى : ولكنّ البارّ ، وإمّا أن يكون على حذف من الأوّل ، أي ولكنّ ذا البرّ ، قاله الزّجّاج ، أو من الثّاني ، أي برّ من آمن ، قاله قطرب ، وعلى هذا خرّجه سيبويه ، قال في كتابه : وقال جلّ وعزّ : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ وإنّما هو : ولكن البرّ برّ من آمن باللّه ، انتهى . وإنّما اختار هذا سيبويه لأنّ السّابق إنّما هو نفي كون البرّ هو تولية الوجه قبل المشرق والمغرب ، فالّذي يستدرك إنّما هو من جنس ما ينفى ، ونظير ذلك : ليس الكرم أن تبذل درهما ولكنّ الكرم بذل الآلاف ، فلا يناسب : ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف إلّا إن كان قبله : ليس الكريم بباذل درهم . وقال المبرّد : لو كنت ممّن يقرأ القرآن [ لقرأت « 1 » ] ( ولكنّ البرّ ) بفتح الباء ، وإنّما قال ذلك لأنّه يكون اسم فاعل ، تقول : بررت أبرّ فأنا برّ وبارّ . قيل : فبني تارة على « فعل » نحو كهل وصعب ، وتارة على « فاعل » . والأولى ادّعاء حذف الألف من البرّ ، ومثله سرّ وقرّ وربّ ، أي سارّ وقارّ وبارّ ورابّ . وقال الفرّاء : ( من امن ) معناه الإيمان لما وقع من موقع المصدر جعل خبرا للأوّل ، كأنّه قال : ولكنّ البرّ الإيمان باللّه . والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل ، وأنشد الفرّاء : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى * ولكنّما الفتيان كلّ فتى ندب جعل نبات اللّحية خبرا للفتى ، والمعنى لعمرك ما الفتوّة أن تنبت اللّحى . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن ) بسكون النّون خفيفة ، ورفع ( البرّ ) وقرأ الباقون بفتح النّون مشدّدة ونصب ( البرّ ) والإعراب واضح ، وقد تقدّم نظير القراءتين في وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا البقرة : 102 ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ البقرة : 177 ، ذكر في هذه الآية إن كان الإيمان مصرّحا بها ، كما جاء في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال : أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه ، ولم يصرّح في الآية بالإيمان بالقدر ، لأنّ الإيمان بالكتاب يتضمّنه ، ومضمون الآية أنّ البرّ لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب بل بمجموع أمور : أحدها : الإيمان باللّه ، وأهل الكتاب أخلّوا بذلك ، أمّا اليهود فللتّجسّم ولقولهم : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ التّوبة : 30 ، وأمّا النّصارى فلقولهم : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . الثّاني : الإيمان باللّه واليوم الآخر ، واليهود أخلّوا به حيث قالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً البقرة : 80 ، والنّصارى أنكروا المعاد الجسمانيّ . والثّالث : الإيمان بالملائكة ، واليهود عادوا جبريل . والرّابع : الإيمان بكتب اللّه ، والنّصارى واليهود أنكروا القرآن . والخامس : الإيمان بالنّبيّين ، واليهود قتلوهم ، وكلا
--> ( 1 ) كما أوردها الزّمخشريّ ( 1 : 330 ) .