مجمع البحوث الاسلامية
193
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بالجدال فغلّبه اللّه ولقّنه بالمبكت ، وفزعوا إلى القوّة والجبروت فنصره وقوّاه نجيّا من العراق إلى الشّام . ( 2 : 578 ) الطّبرسيّ : معناه فلمّا جمعوا الحطب وألقوه في النّار قلنا للنّار ذلك ، وهذا مثل ، فإنّ النّار جماد لا يصحّ خطابه . والمراد : إنّا جعلنا النّار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شيء ، كما قال سبحانه وتعالى : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ البقرة : 65 ، والمعنى أنّه صيّرهم كذلك لا أنّه خاطبهم وأمرهم بذلك . وقيل : يجوز أن يتكلّم اللّه سبحانه بذلك ، ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم . وذكر في كون النّار بردا على إبراهيم وجوه : [ الأوّل والثّاني تقدّم عن الطّوسيّ ] وثالثها : أنّ الإحراق إنّما يحصل بالاعتمادات الّتي في النّار صعدا ، فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات . وعلى الجملة فقد علمنا أنّ اللّه سبحانه منع النّار من إحراقه ، وهو أعلم بتفاصيله . ( 4 : 54 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو مسلم الأصفهانيّ في تفسير قوله تعالى : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً المعنى أنّه سبحانه جعل النّار بردا وسلاما ، لا أنّ هناك كلاما ، كقوله : أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس : 82 ، أي يكونه . وقد احتجّ عليه بأنّ النّار جماد فلا يجوز خطابه ، والأكثرون على أنّه وجد ذلك القول ، ثمّ هؤلاء لهم قولان : أحدهما : وهو قول السّدّيّ : أنّ القائل هو جبرئيل عليه السّلام . والثّاني : وهو قول الأكثرين : أنّ القائل هو اللّه تعالى ، وهذا هو الأليق الأقرب بالظّاهر ، وقوله : النّار جماد ، فلا يكون في خطابها فائدة ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة . المسألة الثّانية : اختلفوا في أنّ النّار كيف بردت على ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ اللّه تعالى أزال عنها ما فيها من الحرّ والإحراق ، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق ، واللّه على كلّ شيء قدير . وثانيها : أنّ اللّه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيّة مانعة من وصول أذى النّار إليه ، كما يفعل بخزنة جهنّم في الآخرة ، وكما أنّه ركّب بنية النّعامة بحيث لا يضرّها ابتلاع الحديدة المحماة ، وبدن السّمندل بحيث لا يضرّه المكث في النّار . وثالثها : أنّه سبحانه خلق بينه وبين النّار حائلا يمنع من وصول أثر النّار إليه ، قال المحقّقون : والأوّل أولى ، لأنّ ظاهر قوله : يا نارُ كُونِي بَرْداً أنّ نفس النّار صارت باردة حتّى سلم إبراهيم من تأثيرها ، لا أنّ النّار بقيت كما كانت . فإن قيل : النّار جسم موصوف بالحرارة واللّطافة ، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمّى النّار امتنع كون النّار باردة ، فإذا وجب أن يقال : المراد من النّار الجسم الّذي هو أحد أجزاء مسمّى النّار ؛ وذلك مجاز ، فلم كان مجازكم أولى من المجازين الآخرين ؟