مجمع البحوث الاسلامية

169

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

2 - وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً الكهف : 60 3 - قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى طه : 91 يلاحظ أوّلا : أنّ بين الآيات الثّلاث شبها لفظيّا ومعنويّا ، فكلّها مقول قول ، وفعل البراح فيها جاء مضارعا منفيّا ، ويليه لفظ « حتّى » ، وهي كلّها مكّيّة تحكي أحوال موسى وقومه في الأخيرتين ، وحال أخي يوسف في الأولى . ثانيا : أجمع المفسّرون قاطبة على أنّ ( أبرح ) في الآية الأولى فعل تامّ مثل : زال يزول ، أي ذهب وتنحّى ، بدليل لفظيّ وهو التّعدّي ، ومعنويّ وهو السّياق . بيد أنّ الآلوسيّ علّل نصب ( الأرض ) بالمفعوليّة دون نزع الخافض ، ولكنّ كليهما جائز ، يقال : برح مكانه ، وبرح من مكانه ، أي زال عنه ، كما تقدّم في النّصوص اللّغويّة . وإذا ثبت ذلك ، فيمكن أن يكون أصل فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ فلن أبرح من الأرض ، على غرار قوله تعالى : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا الأعراف : 155 ، فأصله : واختار موسى من قومه ، ولمّا نزع الخافض منه ، وهو « من » ، نصب بهذا السّبب . ثالثا : اختلف المفسّرون في ( لا أبرح ) في الآية الثّانية ، أهو تامّ مثل : زال يزول ، كما في الأولى ، أم ناقص ، مثل : زال يزال ، أي استمرّ ودام ؟ فمن قال بتمامه ضمّنه معنى المفارقة والتّرك ، وقدّر مفعولا به ، وتقدير الكلام على هذا : لا أفارق سيري . ومن قال بنقصه قدّر خبرا ، وتقديره : لا أزال أمضي أو أسير . ولكنّ أبا حيّان لم يرتض هذا التّقدير على القول الثّاني ، محتجّا برأي أصحابه من نحاة المغرب الّذين لا يجوّزون حذف خبر كان وأخواتها ، وإن دلّ الدّليل على حذفه . ويبدو أنّ نحاة المشرق يسوّغون ذلك ، كما أنّ ابن مالك الأندلسيّ لم يتعرّض لذلك في ألفيّته . رابعا : جاء ( نبرح ) في الثّالثة ناقصا ، وقد ذكر خبره ، وهو ( عاكفين ) ، وتقدّم معموله - ( عليه ) - لحصر لزومهم العجل ، والإصرار على عبادته ، إمعانا منهم في الغيّ والضّلالة ، وتماديا في الإثم والجهالة .