مجمع البحوث الاسلامية
110
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يُسْجَنَ يوسف : 25 ، وأودعته السّجن : تريد الاعتذار ممّا كان منها ، إنّ كلّ نفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّي . فإن قلت : كيف صحّ أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك ؟ قلت : كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه ، ونحوه قوله : قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ الأعراف : 109 ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ الشّعراء : 35 ، وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم . وعن ابن جريج : هذا من تقديم القرآن وتأخيره ، ذهب إلى أنّ ذلِكَ لِيَعْلَمَ يوسف : 52 ، متّصل بقوله : فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يوسف : 50 . ولقد لفّقت المبطلة روايات مصنوعة ، فزعموا أنّ يوسف حين قال : أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يوسف : 52 ، قال له جبرئيل : ولا حين هممت بها ، وقالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت تكّة سراويلك يا يوسف ؟ وذلك لتهالكهم على بهت اللّه ورسله . ( 2 : 327 ، 328 ) الطّبرسيّ : هذا من كلام يوسف عند أكثر المفسّرين . ( 3 : 241 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها ، لأنّا إن قلنا : إنّ قوله : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يوسف : 52 ، كلام يوسف ، كان هذا أيضا من كلام يوسف ، وإن قلنا : إنّ ذلك من تمام كلام المرأة ، كان هذا أيضا كذلك ، ونحن نفسّر هذه الآية على كلا التّقديرين . أمّا إذا قلنا : إنّ هذا كلام يوسف عليه السّلام ، فالحشويّة تمسّكوا به ، وقالوا : إنّه عليه السّلام لمّا قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، قال جبرئيل عليه السّلام : ولا حين هممت بفكّ سراويلك ، فعند ذلك قال يوسف : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي بالزّنى . واعلم أنّ هذا الكلام ضعيف ، فإنّا بيّنّا أنّ الآية المتقدّمة برهان قاطع على براءته عن الذّنب . بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية ؟ فنقول : فيه وجهان : الوجه الأوّل : أنّه عليه السّلام لمّا قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ كان ذلك جاريا مجرى مدح النّفس وتزكيتها ، وقال تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ النّجم : 32 ، فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي والمعنى وما أزكّي نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء ، ميّالة إلى القبائح ، راغبة في المعصية . والوجه الثّاني في الجواب : أنّ الآية لا تدلّ ألبتّة على شيء ممّا ذكروه ، وذلك لأنّ يوسف عليه السّلام لمّا قال : أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بيّن أنّ ترك الخيانة ما كان لعدم الرّغبة ولعدم ميل النّفس والطّبيعة ، لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، والطّبيعة توّاقة إلى اللّذّات ، فبيّن بهذا الكلام أنّ التّرك ما كان لعدم الرّغبة ، بل لقيام الخوف من اللّه تعالى . أمّا إذا قلنا : إنّ هذا الكلام من بقيّة كلام المرأة ، ففيه وجهان : الأوّل : وما أبرّئ نفسي عن مراودته ، ومقصودها تصديق يوسف عليه السّلام ، في قوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .