أبي بكر جابر الجزائري
630
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ : من حيوان وجماد . غاسِقٍ إِذا وَقَبَ : أي الليل إذا أظلم أو القمر إذا غاب . النَّفَّاثاتِ : أي السواحر اللاتي ينفثن . فِي الْعُقَدِ : أي في العقد التي يعقدنها . حاسِدٍ إِذا حَسَدَ : أي إذا أظهر حسده وأعمله . معنى الآيات : قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ « 1 » أنه لما سحر لبيد بن معصم « 2 » اليهودي بالمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أنزل تعالى المعوذتين فرقاه بهما جبريل فشفاه الله تعالى ولذا فالسورتان مدنيتان وقوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ أي قل يا رسولنا أعوذ أي استجير وأتحصن برب الفلق وهو الله عزّ وجل إذ هو فالق الإصباح وفالق الحب والنوى ولا يقدر على ذلك إلا هو لعظيم قدرته وسعة علمه . مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ أي من شر ما خلق تعالى من الكائنات من حيوان مكلف كالإنسان وغير مكلف كسائر الحيوانات ومن الجمادات أي من شر كل ذي شر منها ومن سائر المخلوقات . وقوله وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ أي الليل إذا أظلم والقمر « 3 » إذا غاب إذ الظلام بدخول الليل أو بغياب القمر يكون مظنة خروج الحيات السامة والحيوانات المفترسة والجماعات المتلصصة للسطو والسرقة وابتغاء الشر والفساد . وقوله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ أي وتعوذ بالله برب الفلق من شر السواحر وهن النساء اللاتي ينفثن في كل عقدة يرقين عليها ويعقدنها والنفث هي إخراج هواء من الفم بدون ريق ولذا ورد من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر . وقوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ « 4 » إِذا حَسَدَ « 5 » أي وتعوذ برب الفلق من شر حاسد أي من الناس إذا حسد أي أظهر حسده فابتغاك بضر أو أرادك بشر أو طلبك بسوء بحسده لك لأن الحسد طلب زوال النعمة عن المحسود وسواء أرادها له أو لم يردها وهو شر الحسد .
--> ( 1 ) هذه أولى المعوذتين والثانية الناس وقبلهما الصمد قال فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعوذ الناس بمثلهن وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها . ( 2 ) حديث سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت في الصحيح وغيرهما . ومما رقى به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم قوله بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر حاسد وعين والله يشفيك . ( 3 ) روى الترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب . ( 4 ) روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه . لهذا كره بعض السلف النفث في الرقية وقالوا يرقى ولا ينفث ، والجمهور على الجواز . ( 5 ) الحسد حرام وهو أول ذنب عصى به الله تعالى إذ حسد إبليس آدم وحسد قابيل هابيل وحقيقته تمني زوال النعمة على الغير لتحصل له ، أو لا تحصل وهو شر الحسد .