أبي بكر جابر الجزائري
461
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً : أي تصدقوا بفضول أموالكم طيبة بها نفوسكم فذلك القرض الحسن . وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ : أي من نوافل العبادة من صلاة وصدقة وصيام وحج وغيرها . معنى الآيات : يخبر تعالى رسوله بأنه يعلم ما يقومه من الليل هو وطائفة من أصحابه وأنهم يقومون أحيانا أدنى من ثلثي الليل أي أقل ويقومون أحيانا النصف والثلث ، كما في أول السورة هذا معنى قوله تعالى إِنَّ « 1 » رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ، وقوله وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي يحصي ساعاتهما فيعلم ما مضى من الليل وما بقي من ساعاته ، وقوله عَلِمَ أَنْ لَنْ « 2 » تُحْصُوهُ أي لن تطيقوا ضبط ساعاته فيشق عليكم قيام أكثره تحريا منكم لما هو المطلوب . فَتابَ عَلَيْكُمْ لذلك وبهذا نسخ قيام الليل الواجب وبقي المستحب يؤدى ولو بركعتين في أي جزء من الليل وكونهما بعد صلاة العشاء أفضل وقوله تعالى فَاقْرَؤُا « 3 » ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي صلوا من الليل ما تيسر اطلق لفظ القرآن وهو يريد الصلاة لأن القرآن هو الجزء المقصود من صلاة الليل ، وقوله عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فذكر فيه تعالى ثلاثة أعذار لهم وهي المرض ، والضرب في الأرض « 4 » للتجارة والجهاد في سبيل الله وكلها يشق معها قيام الليل فرحمة بالمؤمنين نسخ الله تعالى هذا الحكم الشاق بقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ « 5 » ، كرره تأكيدا لنسخ قيام الليل الذي كان واجبا وأصبح بهذه الآية مندوبا . وقوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أي المفروضتين . وقوله وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي انفقوا في سبيل الله الذي هو الجهاد فإن الحسنة فيه بسبعمائة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من نوافل الصلاة والصدقات والحج وسائر العبادات تجدوه عند الله يوم القيامة هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً . وقوله وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من كل ما يفرط منكم من تقصير في جنب الله تعالى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لمن تاب ويرحمه فلا يؤاخذه بذنب قد تاب منه .
--> ( 1 ) هذا هو النصف الأخير من سورة المزمل الذي نزل بالمدينة أما النصف الأول فقد نزل بمكة . . افتتاح الكلام بهذه الجملة إن ربك يعلم . . الخ مشعر بالثناء عليه لوفائه بحق القيام الذي أمر به في أول السورة . ( 2 ) هذه الجملة هي المقصودة من الكلام السابق لها إذ كان تمهيدا لها . ( 3 ) أطلق القرآن وأراد الصلاة كقوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فأطلق الصلاة وأراد القراءة وهنا أطلق القراءة وأراد الصلاة تجوزا . ( 4 ) قال طاوس : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله . ( 5 ) من هذه الآية أخذ مالك وأحمد والشافعي أن أقل ما يجزئ في الصلاة قراءة الفاتحة كاملة ، ولا تصح صلاة بدونها للأحاديث الواردة في ذلك وهذا بالنسبة للإمام والمنفرد . وهذا عند القدرة على قراءتها وحفظها فإن عجز سبح وركع أي قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .