أبي بكر جابر الجزائري

37

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : تقدم في الآيات بيان اعتقاد بعض المشركين في استواء حال المؤمنين والكافرين يوم القيامة وأن اللّه تعالى أبطل ذلك الاعتقاد منكرا له عليهم ، وهنا حكى قول منكري البعث بالكلية ليرد عليهم وفي ذلك دعوة لعامة الناس إلى الإيمان والعمل الصالح للإسعاد والكمال في الحياتين وللّه الحمد والمنة فقال عزّ وجل : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا « 1 » حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ « 2 » أي وقال منكرو البعث والجزاء يوم القيامة ما هناك إلا حياتنا هذه التي نحياها وليس وراءها حياة أخرى ، إننا نموت ونحيا أي نموت نحن الأحياء ويحيا أبناؤنا من بعدنا وهكذا تستمر الحياة أبدا يموت الكبار ويحيا الصغار ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي وما يميتنا ويفنينا إلا مرور الزمان وطول الأعمار وهو إلحاد كامل وإنكار للخالق عزّ وجل وهو تناقض منهم لأنهم إذا سئلوا من خلقهم يقولون اللّه فينسبون إليه الخلق وهو أصعب ولا ينسبوا إليه الإماتة وهي أهون من الخلق فرد تعالى عليهم مذهبهم « الدهري » بقوله : وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي ليس « 3 » لهم على معتقدهم هذا أدنى علم نقليا كان ولا عقليا أي لم يتلقوه عن وحى أوحاه اللّه إلى من شاء من عباده ولا عن عقل سليم راجح لا ينقض حكمه كالواحد مع الواحد اثنان والأبيض خلاف الأسود وما إلى ذلك من القضايا العقلية التي لا ترد فهؤلاء الدهريون ليس لهم شيء من ذلك ما لهم إلا الظن والخرص وقضايا العقيدة لا تكون بالظن . والظن أكذب الحديث . وقوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أي وإذا قرأ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آيات القرآن الدالة على البعث والجزاء تدعوهم إلى الإيمان به واعتقاده ما كانَ حُجَّتَهُمْ « 4 » أي لم تكن لهم من حجة يردّون بها ما دعوا إليه إلا قولهم « 5 » : ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي أحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا وأحضروهم عندنا ان كنتم صادقين فيما تخبروننا من البعث والجزاء . فقال تعالى في رد هذه الشبهة وبيان للحق في المسألة قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ « 6 » فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي قل يا رسولنا لهؤلاء الدهريين المنكرين للبعث اللّه يحييكم إذ كنتم نطفا ميتة

--> ( 1 ) هي ضمير القصة والشأن وجملة نموت ونحيا مبينة لجملة ما هي إلا حياتنا الدنيا أي ليس بعد هذا العالم عالم آخر فالحياة هي هذه لا غير . ( 2 ) روي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ( كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر ) . قال اللّه تعالى ( يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) . ( 3 ) قال القرطبي كان المشركون أصنافا منهم هؤلاء ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث ومنهم من يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره . ( 4 ) فإن قيل لم سمى قولهم حجة وليس هو بحجة ؟ قيل لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم . ( 5 ) أي أحيوا لنا الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون . ( 6 ) جملة لا رَيْبَ فِيهِ حال من يَوْمِ الْقِيامَةِ أي لا ريب في وجوده وكونه لا ريب فيه لأنه علة الحياة كلها فلولاه ما كانت هذه الحياة فمن هنا لا معنى للشك فيه بالكلية .