أبي بكر جابر الجزائري
342
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
الدنيا والآخرة . وقوله تُؤْمِنُونَ « 1 » بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ هذا هو رأس المال الذي تقدمونه . إيمان باللّه ورسوله حق الإيمان ، جهاد في سبيل اللّه بالنفس والمال وأنبه إلى أن هذه الصفقة التجارية خَيْرٌ لَكُمْ من عدمها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ربحها وفائدتها . « 2 » يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إنها النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي أولا ، ثم مغفرة ذنوبكم وإدخالكم جنات تجري من تحتها الأنهار ، أي من تحت قصورها وأشجارها ، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة دائمة . ثانيا ثم زاد الحق في ترغيبهم فقال ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إنه النجاة من النار ، ودخول الجنة ، فلا فوز أعظم منه قط هذا ولكم علاوة على ذلك الربح العظيم وهي ما أخبر تعالى عنها بقوله : « 3 » وَأُخْرى تُحِبُّونَها أي وفائدة أخرى تحبونها : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ أي لكم على أعدائكم ولدينكم على سائر الأديان وَفَتْحٌ قَرِيبٌ لمكة ولباقي المدن والقرى في الجزيرة وما وراءها . وقوله تعالى وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي وبشر « 4 » يا رسولنا الذين آمنوا بنا وبرسولنا وبوعدنا ووعيدنا بحصول ما ذكرناه كاملا ، وقد تم لهم كاملا ولله الحمد والمنة . وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذا نداء ثان في هذا السياق الكريم ناداهم بعنوان الإيمان أيضا إذ الإيمان هو الطاقة المحركة الدافعة فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ « 5 » اللَّهِ أي التزموا بنصرة ربكم وإلهكم الحق في دينه ونبيه وأوليائه المؤمنين . قولوا كما قال الحواريون « 6 » لما دعاهم عيسى نبيهم لنصرته قائلا من أنصارى إلى اللّه أي من ينصرني في حال كوني متوجها إلى اللّه انصر دينه وأولياءه ، فأجابوه قائلين نحن أنصار اللّه . فكونوا أنتم أيها المسلمون مثلهم ، وقد كانوا رضي اللّه عنهم كما طلب منهم .
--> ( 1 ) جملة : تُؤْمِنُونَ بيانية لأهل العرض السابق يثير سؤالا وهو : ما الذي يريد أن يدلنا عليه ؟ فالجواب : الايمان والجهاد . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . الخ . ( 2 ) يَغْفِرْ لَكُمْ بالجزم لأن الفعل واقع موقع جواب الطلب إذ : تؤمنون وتجاهدون لفظهما لفظ الخبر ومعناهما الإنشاء أي : آمنوا وجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ، وجزم وَيُدْخِلْكُمْ أيضا على العطف على يغفر . ( 3 ) وَأُخْرى الجملة معطوفة على يَغْفِرْ لَكُمْ . وما بعدها وجيء بالجملة اسمية للدلالة على الثبوت والتحقق ، فأخرى : مبتدأ خبره محذوف أي : وأخرى لكم أي ثابتة لكم وتحبون : صفة لأخرى . ( 4 ) لقد شوق اللّه أصحاب رسوله إلى تحقيق الإيمان بالجهاد فأيقنوا وعزموا على الجهاد فأصبح أسمى أمانيهم فأنجز اللّه لهم ما وعدهم فأمر رسوله أن يبشرهم بما وعدهم تعجيلا للمسرة . ( 5 ) الأنصار : جمع نصير وهو الناصر : القوي النصرة ، وقرأ نافع كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ بتنوين أنصارا وقرأ حفص بدون تنوين مضاف إلى اسم الجلالة . ( 6 ) الحواريون : جمع حواري بفتح الحاء وتخفيف الواو وهي معربة عن الحبشية ( حواريا ) وهو الصاحب الصفي وأطلق هذا الاسم على أصحاب عيسى الاثني عشر رجلا ، وقد سمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الزبير بن العوام حواريه على التشبيه بأحد الحواريين فقال : ( لكل نبي حواري وحواري الزبير ) .