أبي بكر جابر الجزائري

330

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيتين : قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآيتين ( 10 ) و ( 11 ) نزلتا بعد صلح الحديبية إذ تضمنت وثيقة الصلح أن من جاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة من الرجال رده إلى مكة ولو كان مسلما ، ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه ولم ينص عن النساء ، وأثناء ذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبة « 1 » بن أبي معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة فلحق بها أخواها عمار « 2 » والوليد ليردّاهما إلى قريش فنزلت هذه الآية الكريمة فلم يردها عليهما صلّى اللّه عليه وسلّم قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا « 3 » أي يا من آمنتم باللّه ربا وإلها وبمحمد نبيّا ورسولا والإسلام دينا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام فَامْتَحِنُوهُنَّ « 4 » - اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ - فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ أي غلب على ظنكم أنهن مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وصورة الامتحان أن يقال لها احلفى باللّه أي قولي باللّه الذي لا إله إلا هو ما خرجت إلا رغبة في الإسلام لا بغضا لزوجي ، ولا عشقا لرجل مسلم . وقوله تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ لأن الإسلام فصم تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته ، إذ حرم اللّه نكاح المشركات ، وإنكاح المشركين ، ولذا لم يأذن اللّه تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين . وقوله تعالى وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما أنفق عليها من مهر والذي يعطيه هو جماعة المسلمين وإمامهم . وقوله تعالى : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي تتزوجهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن مع باقي شروط النكاح من ولي وشاهدين وانقضاء العدة في المدخول بها . وقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ أي إذا أسلم الرجل وبقيت امرأته مشركة انقطعت عصمة الزوجية وأصبحت لا تحل لزوجها الذي أسلم ، وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة

--> ( 1 ) وكذلك جاءت سبيعة الأسلمية مهاجرة هاربة من زوجها صيفي ، وجاءت أميمة بنت بشر هاربة من زوجها ثابت بن الشمراخ ، فجاء أزواجهن مطالبين بهن فقال زوج سبيعة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إن طينة الكتاب الذي بيننا وبينك لم تجف بعد فنزلت هذه الآية . ( 2 ) ذكر القرطبي أن أخوي أم كلثوم أتيا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أختهما مهاجرين وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ردهما على المشركين ولم يرد أختهما أم كلثوم وكانت تحت عمرو بن العاص وهو مشرك يومئذ ، وذكر ابن كثير : أن أخوي أم كلثوم وفدا يطالبان بأختهما لا مهاجرين وهذا الظاهر . ( 3 ) لما كانت المعاهدة لم تنص على النساء بلفظ صريح وهو لفظ أحد وهو صالح للرجال والنساء نزلت هذه الآية مخرجة للنساء من عموم لفظ ( أحد ) فالآية مبينة أو ناسخة والكل صالح . ( 4 ) اختلف في صيغة الامتحان فقال ابن عباس : كانت المحنة أن تستحلف باللّه أنها ما خرجت من بغض زوجها ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا ولا عشقا لرجل منا بل حبا للّه ورسوله فإن حلفت على ذلك ، أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها .