أبي بكر جابر الجزائري
302
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا : أي فجاءهم اللّه من حيث لم يظنوا أنهم يؤتون منه . وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ : أي وقذف اللّه تعالى الخوف الشديد من محمد وأصحابه . يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ : أي يخربون بيوتهم حتى لا ينتفع بها المؤمنون وليأخذوا بعض أبوابها وأخشابها المستحسنة معهم . وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ : إذ كانوا يهدمون عليهم الحصون ليتمكنوا من قتالهم . فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ : أي فاتعظوا بحالهم يا أصحاب العقول ولا تغتروا ولا تعتمدوا إلا على اللّه سبحانه وتعالى . وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ : أي ولولا أن كتب اللّه عليهم الخروج من المدينة . لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا : أي بالقتل والسبيّ كما عذب بني قريظة إخوانهم بذلك . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : جزاهم بما جزاهم به من عذاب الدنيا والآخرة بسبب مخالفتهم لله ورسوله ومعاداتهم لهما . ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها : أي ما قطعتم أيها المؤمنون من نخلة لينة أو تركتموها بلا قطع . فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ : أي فقطع ما قطعتم وترك ما تركتم كان بإرادة اللّه وكان ليجزى اللّه الفاسقين يهود بنى النضير . معنى الآيات : يخبر تعالى عن جلاله وعظمته بأنه سبحه أي نزهه عن كل النقائص من الشريك والصاحبة والولد والعجز والنقص مطلقا بلسان القال ولسان الحال جميع ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الملائكة والإنس والجن والحيوان والشجر والحجر والمدر ، وأنه هو العزيز الانتقام الحكيم في تدبير حياة الأنام . هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا من ديارهم يهود بنى النضير « 1 » أجلاهم من ديارهم بالمدينة لِأَوَّلِ الْحَشْرِ « 2 » إلى أذرعات بالشام ومنهم من نزل بخيبر وسيكون لهم حشر آخر حيث حشرهم عمر وأجلاهم من خيبر إلى الشام . وقوله تعالى في خطاب المؤمنين : ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا أي من ديارهم وَظَنُّوا هم أنهم مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ . فخاب ظنهم إذ أتاهم أمر اللّه من حيث لم يظنوا وذلك بأن قَذَفَ فِي
--> ( 1 ) بنو النضير : رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السّلام نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكان من أمرهم ما قص تعالى في هذه السورة . ( 2 ) الحشر : الجمع أي : جمع الناس في مكان واحد ، والمراد هنا : حشر يهود جزيرة العرب إلى أرض غيرها أي : جمعهم للخروج ، ولذا هو يرادف الجلاء إذا كان الجلاء لجماعة عظيمة تجمع من الديار المتفرقة ، واللام في قوله : لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هي لام التوقيت التي تدخل على أوّل الوقت نحو فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي : لأول عدتهن وهو الطهر الذي لم تمس فيه .