أبي بكر جابر الجزائري
276
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وإيجادها . وقوله : إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي علمه بها وكتابته لها قبل خلقها وإيجادها في وقتها سهل على اللّه يسير . وقوله لِكَيْلا تَأْسَوْا أي أعلمناكم بذلك بعد قضائنا وحكمنا به أزلا من أجل ألا تحزنوا على ما فاتكم مما تحبون في دنياكم من الخير ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 1 » فرح الأشر والبطر فإنه مضر أما فرح الشكر فلا بأس به فقد ينعم اللّه على العبد ليشكره . وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ « 2 » مُخْتالٍ فَخُورٍ يحذر أولياءه من خصلتين ذميمتين لا تنبغيان للمؤمن وهما الاختيال أي التكبر والفخر على الناس بما أعطاه اللّه وحرمهم . وقوله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ هذا بيان لمن لا يحبهم اللّه وهم أهل الكبر والفخر بذكر صفتين قبيحتين لهم وهما البخل الذي هو منع الواجب والأمر بالبخل والدعوة إليه فهم لم يكتفوا ببخلهم فأمروا غيرهم بالبخل الذي هو منع الواجب وعدم بذله والعياذ باللّه من هذه القبائح الأربع . وقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ أي « 3 » عن الإيمان والطاعة وعدم قبول وعظ اللّه وإرشاده فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن سائر خلقه لأن غناه ذاتي له لا يستمده من غيره الْحَمِيدُ أي محمود بجلاله وجماله وإنعامه على سائر عباده . وقوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا « 4 » رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج القواطع وأنزلنا معهم الكتاب الحاوي للشرائع والأحكام التي يكمل عليها الناس ويسعدون وأنزلنا الميزان وذلك ليقوم الناس بالعدل أي لتقوم حياتهم على أساس العدالة والحق . وقوله تعالى وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ أي وكما أنزلنا الكتاب للدين والعدل للدنيا أنزلنا الحديد لهما معا للدين والدنيا فيما فيه من البأس الشديد في الحروب فهو لإقامة الدين بالجهاد وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إذ سائر الصناعات متوقفة عليه فهو للدنيا .
--> ( 1 ) إنه لما يبين تعالى لأوليائه المؤمنين علّة الإفساد والشر وهي حب العاجلة أعلمهم تشجيعا لهم على الزهد فيها والإعراض عنها أنّ ما يصيب أحدهم من فقر ، أو مرض أو خوف قد يفضي إلى الموت هو مما كتبه اللّه تعالى عليهم أزلا وأنه واقع بهم لا محالة فلذا لا داعي إلى الحزن كما أنّ ما يحصل للعبد مما هو خلاف ذلك من المال والولد لا ينبغي أن يفرح به وبذلك يتغلب على الدنيا ويفوز بالآخرة . ( 2 ) وفي إعلام اللّه تعالى أولياءه بعدم حبّ المختال الفخور دفع لهم إلى الأمام حيث التنزه عن حب العاجلة التي هي المعوق لهم عن الكمال والإسعاد الأخروي . ( 3 ) في الآية تحذير من الجزع وقلة الصبر في السير إلى اللّه تعالى بالتخلي عن حب العاجلة . فقد ذكرهم بأن التولي أي الرجوع بعد الضرب في طريق الآخرة حيث الجوار الكريم مما يسبب تخلي الرب عن العبد ، فإنه تعالى غني حميد لا حاجة به إلى طاعة العباد ولا إلى حمدهم . ( 4 ) كلام مستأنف المراد به أنّ ما كلف به عباده من طاعته بذكره وشكره إنما هو لمجرد الابتلاء وليس لحاجة إليه لأنه الغني الحميد فإنه أرسل الرسل وأنزل الكتب وأوجد أسباب القوة المادية لمجرد الابتلاء ، ذلك الابتلاء المترتب عليه الإسعاد والإشقاء فإنه تعالى يسعد بطاعته ويشقى بمعصيته وهذا هو العدل الكريم البر بعباده المؤمنين الرحيم .