أبي بكر جابر الجزائري
183
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : بعد أن أمر تعالى رسوله بالتذكير وأنه أهل لذلك لما أفاض عليه من الكمالات وما وهبه من المؤهلات . أخذ تعالى يلقن رسوله الحجج فيذكر له باطلهم موبخا إياهم به ثم يدمغه بالحق في أسلوب قرآني عجيب لا يقدر عليه الا اللّه سبحانه وتعالى . ومنه قوله : أَمْ خُلِقُوا « 1 » مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي أخلقوا من غير خالق أَمْ هُمُ « 2 » الْخالِقُونَ والجواب لم يخلقوا من غير خالق ، ولا هم خلقوا أنفسهم إذ الأول باطل فما هناك شيء موجود وجد بغير موجد ؟ ! والثاني محال ؛ إن المخلوق لا يوجد قبل أن يخلق فكيف يخلقون أنفسهم وهم لم يخلقوا بعد ؟ ! ويدل على جهلهم وعمي قلوبهم ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم أنه ذكر أنه لما قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وقعة بدر في شأن فداء الأسرى سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور قال فلما بلغ في القراءة عند هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ كاد قلبي يطير . سمعها وهو مشرك فكانت سببا في إسلامه فلو فتح القوم قلوبهم للقرآن لأنارها واسلموا في أقصر مدة . وقوله تعالى : أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ « 3 » وَالْأَرْضَ والجواب : لا ، إذ العاجز عن خلق ذبابة فما دون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما أعجز . وقوله تعالى بَلْ لا يُوقِنُونَ أن اللّه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض فقولهم عند سؤال من خلقهم : اللّه ، وعن خلق السماوات والأرض : اللّه لم يكن عن يقين إذ لو كان عن يقين منهم لما عبدوا الأصنام ولما أنكروا البعث ولما كذبوا بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تعالى أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أي من الأرزاق والخيرات والفواضل والفضائل فيخصوا من شاءوا منها ويحرموا من شاءوا والجواب ليس لهم ذلك فلم إذا ينكرون على اللّه ما أتى رسوله من الكمال والإفضال ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أي الغالبون القاهرون المتسلطون فيتصرفون كيف شاءوا في الملك ؟ والجواب : لا ، إذا فلم هذا التحكم الفاسد . وقوله تعالى : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ « 4 » فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي ألهم مرقى
--> ( 1 ) هذا إضراب انتقالي إلى ابطال نوع آخر من شبهتهم في إنكار البعث إذ السورة مكية ، والغالب على هذه السورة معالجة عقيدة البعث الآخر والاستفهام المقدر بعد أَمْ تقريري . ( 2 ) الاستفهام المقدر هنا إنكاري . ( 3 ) الاستفهام تقريري ، وبل المقدرة قبل الاستفهام للانتقال وهكذا يورد . قولهم مقررا لهم ثم يكر عليه فيبطله في جميع هذه الجمل المبدوءة ب أم المنقطعة . ( 4 ) السلم : المصعد ، وجمعه سلالم قال الشاعر : ومن هاب أسباب المنية يلقها * ولو رام أسباب السماء بسلّم وقال آخر : لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا * يبنى له في السماوات السلاليم أحجاء البلاد : أرجاؤها ونواحيها .