أبي بكر جابر الجزائري
104
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا : أي تعرضوا عن الجهاد كما توليتم من قبل حيث لم تخرجوا للحديبية . يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً : في الدنيا بالقتل والاذلال وفي الآخرة بعذاب النار . حَرَجٌ : أي إثم . وَمَنْ يَتَوَلَّ : أي يعرض عن طاعة اللّه ورسوله . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين من الأعراب إذ قال تعالى للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ الذين أصبح وصف التخلف شعارا لهم يعرفون به وفي ذلك من الذم واللوم والعتاب ما فيه قل لهم مختبرا إياهم سَتُدْعَوْنَ في يوم من الأيام إلى قتال قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ في الحروب تُقاتِلُونَهُمْ ، أَوْ يُسْلِمُونَ « 1 » فلا تقاتلوهم وذلك بأن يرضوا بدفع الجزية وهؤلاء لا يكونون إلّا نصارى أو مجوسا فهم إما فارس وإما الروم وقد اختلف في تحديدهم « 2 » فَإِنْ تُطِيعُوا الأمر لكم بالخروج الداعي للجهاد فتخرجوا وتجاهدوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً غنائم في الدنيا وحسن الصيت والأحدوثة والجنة فوق ذلك ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا أي تعرضوا عن طاعة من يدعوكم ولا تخرجوا معه كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ حيث لم تخرجوا مع رسول اللّه إلى مكة للعمرة خوفا من قريش ورجاء أن يهلك الرسول والمؤمنون ويخلو لكم الجوّ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً أي في الدنيا بأن يسلط عليكم من يعذبكم وفي الآخرة بعذاب النار وقوله تعالى لَيْسَ « 3 » عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية إنه لما نزلت آية المنافقين قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ وكان ختامها وإن تولوا عن الجهاد يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً خاف أصحاب الاعذار من مرض وغيره وبكوا فأنزل اللّه تعالى قوله لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ أي إثم إذا لم يخرج للجهاد وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ « 4 » حَرَجٌ وهو الذي به عرج في رجليه لا يقدر على المشي والجري والكر والفر وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وهو المريض بالطحال أو الكبد أو السعال من الأمراض
--> ( 1 ) في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر إذ هو الذي دعا إلى قتال أصحاب مسليمة الكذاب ، إذ هم الذين لا تقبل منهم الجزية وإنما الإسلام أو القتل ، لقوله تعالى : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ أما فارس أو الروم فهم مجوس ونصارى قد تؤخذ منهم الجزية . ( 2 ) وقيل : إنهم أصحاب مسيلمة الكذاب ، وقال رافع بن خديج . واللّه لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فقلنا : إنهم هم . ( 3 ) قال ابن عباس لما نزلت : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ أي : لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد . ( 4 ) العرج : آفة تعرض لرجل واحدة ، قال مقاتل : هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية ، وقد عذرهم . وفي هذه الآية بيان من يجوز لهم التخلف عن الجهاد ، ولا إثم عليهم وهم العميان والمرضى والعرج .