السيد الخميني
مقدمة التحقيق 5
الاجتهاد والتقليد
ويعد الاجتناب عن تبني طريقة القياس والاستفادة من المصالح المرسلة معلم بارز آخر يمتاز به الفقه الشيعي ، فيما يزخر الفقه لدى أهل السنة بالاستدلال وفقا لطرق القياس والاستحسان والمصالح المرسلة . ومن هنا نجد أئمتنا من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وفي مناسبات متعددة ، وفي مقاطع زمنية مختلفة ، يشددون على أتباعهم على ضرورة اجتناب القياس والاستحسان ، فوضعوا بذلك تلامذتهم ومريديهم في الطريق الصحيح والجادة الصواب ، فالأحكام الإلهية يجب أن لا تخضع لمقاييس العقل البشري ، ومن أجل هذا روي عنه صلوات الله عليهم : ( أن السنة إذا قيست محق الدين ) و ( أن دين الله لا يصاب بالعقول ) . ولا ننكر وجود بعض التناغم مع المباني الفقهية لدى أهل السنة في كتب كبار علماء الشيعة ، وبالتحديد لدى المتقدمين منهم ، كشيخ الطائفة الطوسي والعلامة الحلي . إذ يبدو من خلال آثار الفقيهين العظيمين أنهما كانا يرميان إلى إقناع فقهاء أهل السنة فاستعمال طرق استنباط مماثلة لما هو موجود لدى أهل السنة لا يعني تبنيا لها ، بقدر ما يكون محاولة لردم هوة الاختلاف بين الفريقين . ولذا فإننا نجد - وبعد تنامي الكيان السياسي الشيعي وبالتحديد في العصر الذي أعقب عصر الشهيد الأول - نجد طرق الاستدلال الشيعي متمحضة وفق مباني المدرسة الإمامية وفي ضوء تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أما متبنيات أهل السنة في طرق الاستدلال فقد اختفت تماما لتحل مكانها آثار الأئمة الأطهار .