أبي بكر جابر الجزائري

93

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الحالتين . وقوله وَآتَيْناهُمْ « 1 » آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ إن المراد من الآيات القائمة بالناقة منها أنها خرجت من صخرة ، وأنها تشرب ماء البلد يوما ، وأنها تقف أمام كل بيت ليحلب أهله منها ما شاءوا ، وإعراضهم عنها ، عدم إيمانهم وتوبتهم إلى اللّه تعالى بعد أن آتاهم ما طلبوا من الآيات . وقوله وَكانُوا يَنْحِتُونَ « 2 » مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي كانوا يتخذون بالنحت بيوتا داخل الجبال يسكنوها شتاء آمنين من أن تسقط عليهم لقوتها ومن أن ينالهم برد أو حر لوقايتها لهم ، وقوله تعالى فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ « 3 » وذلك صيحة اليوم الرابع وهو يوم السبت فهلكوا أجمعين ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من المال والعتاد وبناء الحصون بل « 4 » هلكوا ولم ينج منهم أحد إلا من آمن وعمل صالحا فقد نجاه اللّه تعالى مع نبيه صالح عليه السّلام . وقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا من أجل أن أذكر وأشكر ، فلذا من كفر بي فلم يذكرني وعصاني فلم يشكرني أهلكته . لأني لم أخلق هذا الخلق العظيم لهوا وباطلا وعبثا . وقوله : وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ « 5 » أي حتما لا محالة وثمّ يجزي كل بما كسب فلا تحزن على قومك ولا تجزع منهم فإن جزاءهم لازم وآت لا بد ، فاصبر واصفح عنهم وهو معنى قوله تعالى فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ « 6 » أي الذي لا جزع معه . وقوله إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ خلق كل شيء وعلم بما خلق فعلى كثرة المخلوقات يعلم نياتها ، وأعمالها ، وأحوالها ، ولا يخفى عليه شيء من أمرها وسيعيدها كما بدأها ويحاسبها ويجزيها بما كسبت . وهذا من شأنه أن يساعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الصبر والثبات على دعوته حتى ينصرها اللّه تعالى

--> ( 1 ) المراد بالآيات : الناقة لأنها تشتمل على عدّة آيات ، وجائز أن يكون هناك آيات أخرى أعطيها صالح غير الناقة . ( 2 ) النحت : البري والنجر ، يقال نحته ينحته نحتا إذا براه ، والنحاته : البراية كالنجارة والخشارة ، والمنحت : آلة النحت ، وقوله : آمِنِينَ * أي : من أن تسقط عليهم أو تخرب فلا تصلح للسكن فيها . ( 3 ) مُصْبِحِينَ : حال من أخذتهم الصيحة أي : حال كونهم داخلين في الصباح وهو أوّل النهار ، فالأيام الثلاثة التي قيل لهم : تمتعوا فيها هي الأربعاء والخميس والجمعة ، وصبيحة السبت كان هلاكهم والعياذ باللّه من حال الهالكين . ( 4 ) صحّ ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، وأمر بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز منه لأجل انه ماء سخط فلا يجوز الانتفاع به فرارا من سخط اللّه تعالى وقال : اعلفوه الإبل ففعلوا ) . ( 5 ) لآتية : جائية إذ الأيام تنصرم يوما فيوما إلى آخر يوم فالساعة الأخيرة لهذه الحياة آتية ، وهي في طريقها . ( 6 ) هذا كان قبل الأمر بالجهاد إذ السورة مكيّة والجهاد فرض في المدينة فالآية منسوخة بمثل قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية من التوبة المدنية .