أبي بكر جابر الجزائري
85
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
من شأنه أن ينغص أو يكدر ، أصبحوا في المحبة لبعضهم بعضا إخوانا يضمهم مجلس واحد يجلسون فيه على سرر متقابلين وجها لوجه ، وإذا أرادوا الانصراف إلى قصورهم تدور بهم الأسرة فلا ينظر أحدهم إلى قفا أخيه . وقوله تعالى : لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ فيه الإخبار بنعيمين : نعيم الراحة الأبدية إذ لا نصب ولا تعب في الجنة ونعيم البقاء والخلد فيها إذ هم لا يخرجون منها أبدا . وفي هذا تقرير لمعتقد البعث والجزاء بأبلغ عبارة وأوضحها . وقوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي « 1 » أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي خبر يا رسولنا عبادنا المؤمنين الموحدين أن ربهم غفور لهم إن عصوه وتابوا من معصيتهم . رحيم بهم فلا يعذبهم . وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ونبئهم أيضا أن عذابي هو العذاب الأليم فليحذروا معصيتي بالشرك بي ، أو مخالفة أوامري وغشيان محارمي . وقوله تعالى : وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ « 2 » . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي سلموا عليه فرد عليهم السّلام وقدم لهم قرى الضيف وكان عجلا حنيذا ، كما تقدم في هود وعرض عليهم الأكل فامتنعوا وهنا قال : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ « 3 » أي خائفون ، وكانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورة لشباب حسان . فلما أخبرهم بخوفه منهم ، لأن العادة أن النازل على الإنسان إذا لم يأكل طعامه دل ذلك على أنه يريد به سوء . قالُوا لا تَوْجَلْ أي لا تخف ، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي بولد ذي علم كثير . فرد إبراهيم قائلا بما أخبر تعالى عنه بقوله : قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ « 4 » الْكِبَرُ فَبِمَ « 5 » تُبَشِّرُونَ أي هذه البشارة بالولد على كبر سني أمر عجيب ، فلما تعجب من البشارة وظهرت عليه علامات الشك والتردد في صحة الخبر قالوا له : بَشَّرْناكَ « 6 » بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ « 7 » أي
--> ( 1 ) شاهد هذه الآية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع بجنّته أحد ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط من رحمته أحد ) . ( 2 ) هم الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السّلام . والضيف : لفظ يطلق على الواحد والاثنين والجماعة . ( 3 ) قال هذا بعد أن قرّب إليهم العجل المشوي ليأكلوا فلم يأكلوا . ( 4 ) أن : مصدرية ، والتقدير : على مسّ الكبر إياي وزوجتي . ( 5 ) الاستفهام للتعجب أو هو على حقيقته . ( 6 ) أي : بما لا خلف فيه ، وأن الولد لا بدّ منه . ( 7 ) قراءة العامة : الْقانِطِينَ ، وقرئ القنطين بدون ألف ، ويكون الفعل حينئذ من قنط يقنط كفرح يفرح فهو فرح ، وعلى قراءة الجمهور فهو من باب فعل يفعل كضرب يضرب فهو ضارب .