أبي بكر جابر الجزائري

637

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : طسم هذه أحد الحروف المقطعة تكتب طسم ، وتقرأ طا سين ميم بإدغام النون من سين في الميم الأولى من ميم واللّه أعلم بمراده منها . وفيها إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف وعجز العرب عن تأليف مثله بل سورة واحدة من مثله دال قطعا على أنه كلام اللّه ووحيه إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ « 1 » أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب أي القرآن الْمُبِينِ أي المبين للحق من الباطل والهدى من الضلال ، والشرائع والأحكام . وقوله تعالى لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أي قاتلها ومهلكها أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي إن لم يؤمن بك وبما جئت به قومك ، فأشفق على نفسك يا رسولنا ولا تعرضها للغم القاتل فإنه ليس عليك هدايتهم وإنما عليك البلاغ وقد بلغت ، إنا لو أردنا هدايتهم بالقسر والقهر لما عجزنا عن ذلك إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ « 2 » لَها خاضِعِينَ أي إنا لقادرون على أن ننزل عليهم من السماء آية كرفع جبل أو إنزال كوكب أو رؤية ملك فظلت أي فتظل طوال النهار أعناقهم خاضعة ، تحتها تتوقع في كل لحظة نزولها عليهم فتهلكهم فيؤمنوا حينئذ إيمان قسر وإكراه ومثله لا ينفع صاحبه فلا يزكي نفسه ولا يطهر روحه لأنه غير إرادي له ولا اختياري . وقوله تعالى وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ « 3 » مُحْدَثٍ أي وما يأتي قومك المكذبين لك من موعظة قرآنية وحجج وبراهين تنزيلية تدل على صدقك وصحة دعوتك ممّا يحدثه اللّه إليك ويوحي به إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا فلا يستمعون إليه ولا يفكرون فيه . وقوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا « 4 » يخبر تعالى رسوله بأن قومه قد كذبوا بما أتاهم من ربهم من ذكر محدث وعليه فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا أي أخبار ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهو عذاب اللّه تعالى الذي كذبوا برسوله ووحيه وجحدوا توحيده وأنكروا طاعته وفي الآية وعيد شديد وهم عرضة له في أية لحظة إن لم يتوبوا .

--> ( 1 ) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال القرطبي رفع على إضمار مبتدأ أي : هذه تلك . . الخ وما في التفسير أولى أي : هي آيات الكتاب . ( 2 ) لأنهم إذا ذلت أعناقهم ذلوا ولا داعي إلى أن يقال : أعناقهم : كبراؤهم ورؤساؤهم وإن ساغ لغة ، إذ المراد أن ينزل عليهم آية تخضعهم وتذلهم رؤساء ومرءوسين ، والأعناق جمع عنق بضم العين والنون وهو الرقبة ولما كانت الأعناق هي مظهر الخضوع أسند الخضوع إليها ومقتضى ظاهر الكلام هو فضلوا لها خاضعين بأعناقهم ، وعدل عنه إلى إسناد الخضوع إلى الأعناق لأنه يحمل الإشارة إلى خضوع رؤسائهم الحاملين على الكفر والعناد وهذا من بليغ الكلام وبديعه . ( 3 ) مُحْدَثٍ أي : مستجد متكرر بعضه يعقب بعضا ويؤيده . ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا الفاء هي الفصيحة أفصحت عن تكذيبهم الناتج عن إعراضهم والفاء في فَسَيَأْتِيهِمْ للتعقيب والأنباء جمع نبأ وهو الخبر ذو الشأن ، والجملة تحمل التهديد والوعيد الشديد .