أبي بكر جابر الجزائري
620
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
قال تعالى فيه أَ لَمْ تَرَ أيها الرسول أي تنظر إلى صنيع ربك جل جلاله كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ينتقل ، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا إذ بضوئها يعرف ، فلو لا الشمس لما عرف الظل وقوله تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً حسب سنته ففي خفاء كامل وسرعة تامة يقبض الظل نهائيا ويحل محله الظلام الحالك . وثانيا : في الليل والنهار قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً « 1 » أي ساترا يستركم بظلامه كما تستركم الثياب ، وَالنَّوْمَ « 2 » سُباتاً أي وجعل النوم قطعا للعمل فتحصل به راحة الأبدان وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً « 3 » أي حياة بعد وفاة النوم فينتشر فيه الناس لطلب الرزق بالعمل بالأسباب والسنن التي وضع اللّه تعالى لذلك . وثالثا : إرسال الرياح للقاح السحب للإمطار لإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجدب قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ « 4 » هو لا غيره من الآلهة الباطلة أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي مبشرات بالمطر متقدمة عليه وهو الرحمة وهي بين يديه فمن يفعل هذا غير اللّه ؟ اللهم إنه لا أحد . ورابعا : إنزال الماء الطهور العذب الفرات للتطهير به وشرب الحيوان والإنسان قال تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً « 5 » لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً أي إبلا وبقرا وغنما وَأَناسِيَّ كَثِيراً أي وأناسا كثيرين وهم الآدميون ففي خلق الماء وإنزاله وإيجاد حاجة في الحيوان والإنسان إليه ثم هدايتهم لتناوله وشربه كل هذا آيات الربوبية الموجبة لتوحيد اللّه تعالى . وخامسا : تصريف المطر بين الناس فيمطر في أرض ولا يمطر في أخرى حسب الحكمة الإلهية والتربية الربانية . قال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ « 6 » بَيْنَهُمْ أي بين الناس كما
--> ( 1 ) قال ابن العربي ظنّ بعض الجهال أن كون الليل لباسا يجزئ من صلى فيه عاريا وهو لا يجزئ ولو أجزأ لأجزأ من أغلق باب غرفته وصلى عريانا . ( 2 ) أصل السبت : القطع والتمدد فهو بانقطاع البدن عن العمل تحصل له الراحة لذا قيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون ، وفي التمدد معنى الراحة . ( 3 ) كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أصبح يقول : ( الحمد للّه الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور ) . ( 4 ) قيل : إن تكوين الرياح سببه التقاء حرارة جانب من الجو ببرودة جانب آخر تنشأ السحب . ( 5 ) أكثر الفقهاء على أنّ الماء الطهور غير الطاهر فالطهور : هو الذي تزال به الأحداث بخلاف الطاهر فلذا كل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا . ( 6 ) وجائز أن يراد بقوله صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ القرآن الكريم إذ جرى ذكره أول السورة وفي أثنائها أيضا .