أبي بكر جابر الجزائري

535

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

تخشون عذابه وقوله تعالى : قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ « 1 » أي سلهم يا رسولنا فقل لهم من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وخزائنه ؟ وهو يجير من يشاء أي يحمي ويحفظ من يشاء فلا يستطيع أحد أن يمسه بسوء ولا يجار عليه ، أي ولا يستطيع أحد أن يجير أي يحمي ويحفظ عليه أحدا أراده بسوء وقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم تعلمون أحدا غير اللّه بيده ملكوت كل شيء ويجير ولا يجار عليه فاذكروه ، ولما لم يكن لهم أن يقولوا غير اللّه ، أخبر تعالى أنهم سيقولون اللّه أي « 2 » هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهي للّه خلقا وملكا وتصرفا إذا قل لهم فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ؟ أي كيف تخدعون فتصرفون عن الحق فتعبدون غير الخالق الرازق ، وتنكرون على الخالق إحياء الأموات وبعثهم وهو الذي أحياهم أولا ثم أماتهم ثانيا فكيف ينكر عليه إحياءهم مرة أخرى وقوله تعالى : بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ « 3 » أي ليس الأمر كما يتوهمون ويخيل إليهم بل أتيناهم بذكرهم الذي هو القرآن به يذكرون لأنه ذكرى وذكر ، وبه يذكرون لأنه شرف لهم وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون ويقولون . مَا « 4 » اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ولا بنت ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ ولا ينبغي ذلك ، والدليل المنطقي العقلي الذي لا يرد هو أنه لو كان مع اللّه إله آخر لقاسمه الملك وذهب كل إله بما خلق ، ولحارب بعضهم بعضا وعلا بعضهم على بعض غلبة وقهرا وقوله تعالى : سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها للّه تعالى عما يصفه به الواصفون من صفات العجز كاتخاذ الولد والشريك ، والعجز عن البعث . وقوله تعالى : عالِمِ الْغَيْبِ « 5 » وَالشَّهادَةِ أي ما ظهر وما بطن ، وما غاب وما حضر فلو كان معه آلهة أخرى لعرفهم وأخبر عنهم ولكن هيهات هيهات أن يكون مع اللّه إله آخر وهو الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء . فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 6 »

--> ( 1 ) الملكوت : من صفات المبالغة كالجبروت ، والرهبوت ، والمراد : ملك كل شيء ، وهذا كله احتجاج على العرب لأنهم مقرّون باللّه ربّا ، والاستفهام فيه وفي الذي قبله : تقريري لأنهم مقرّون أن اللّه هو ربّ السماوات وأنه الذي بيده ملكوت كل شيء . ( 2 ) قرأ أبو عمرو : سيقولون اللّه في الموضعين الأخيرين ، ولا خلاف في الموضع الأول لأنه سؤال ب لمن الملك ؟ ومن قرأ في الأخيرين بلفظ : اللّه فلأنّ السؤال بغير اللام فجاء الجواب على لفظه . ومن أجاب ب اللّه ، فإنه راعى المعنى إذ رب السماوات : مالكها فهي له وملكوت كل شيء للّه . ( 3 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ : إضراب لإبطال كونهم مسحورين . أي : ليس الأمر كما يخيّل إليهم ، وإنما أتيناهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ، فهذه علّة إعراضهم وعدم قبولهم لدعوة الحق ، وقولهم فيه إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . ( 4 ) نفى عنه تعالى اتخاذ الولد كما نفى أن يكون له شريك في الألوهية بالبرهان العقلي وهو : أنه لو كان معه آلهة لاقتسموا الكون وذهب كل إله بما خلق ، وقد يحارب بعضهم بعضا ويعلو من يغلب ولم يكن من مظاهر هذا شئ البتة فثبتت النتيجة وهي المذكورة أولا : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ . ( 5 ) هذا من جملة أدلة نفي الشريك له تعالى إذ العالم بكل شيء كيف يكون له شريك ولا يعرفه ، وقرأ حفص عالم بالجر على أنه نعت لاسم الجلالة في قوله سُبْحانَ اللَّهِ ، وقرأ نافع بالرفع على أنه خبر لمحذوف أي : هو عالم . ( 6 ) عَمَّا يُشْرِكُونَ ما مصدرية ، والمعنى : تعالى عن إشراكهم . أي : هو منزه عن أن يكون له شريك .