أبي بكر جابر الجزائري
530
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فساد الكون كله علوية « 1 » وسفليه ، وذلك لأنهم أهل باطل لا يرون إلا الباطل ويصبح سيرهم معاكسا للحق فيؤدي حتما إلى خراب الكون وقوله تعالى : بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ أي جئناهم بذكرهم الذي هو القرآن الكريم إذ به يذكرون وبه يذكرون لأنه سبب شرفهم ، وقوله : فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ، فهم لسوء حالهم وفساد قلوبهم معرضون عما به يذكرون ويذكرون « 2 » ، وقوله تعالى : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً أي « 3 » أجرا ومالا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ أي ثواب ربّك الذي يثيبك به خير وهو تعالى خير الرازقين وحاشا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسألهم عن التبليغ أجرا وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى الإسلام طريق السعادة والكمال في الدنيا والآخرة ، وقوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ « 4 » لَناكِبُونَ أي علة تنكّبهم أي ابتعادهم عن الإسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة ، وهو كذلك فالقلب الذي لا يعمره الإيمان بلقاء اللّه والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه ذلك لعلة كفره بالآخرة . وقوله تعالى : وَلَوْ « 5 » رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يخبر تعالى أنه لو رحم أولئك المشركين المكذبين بالآخرة ، وكشف ما بهم من ضر أصابهم من قحط وجدب وجوع ومرض لا يشكرون اللّه ، بل يتمادون في عتوهم وضلالهم وظلمهم يعمهون حيارى يترددون ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ « 6 » بِالْعَذابِ وهي سنوات الجدب والقحط بدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما أصابهم من قتل وجراحات وهزائم في بدر . وقوله : فَمَا اسْتَكانُوا « 7 » لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ فما ذلوا لربهم وما دعوه ولا تضرعوا إليه بل بقوا على طغيانهم في ضلالهم ومرد هذا ظلمة النفوس الناتجة عن الشرك والمعاصي . وقوله تعالى : حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ وهو معركة بدر وما أصاب
--> ( 1 ) وما في الكون العلوي من الملائكة ، والسفلي من الجن والإنس ، وإلى هذا الإشارة بمن في قوله : وَمَنْ فِيهِنَّ . ( 2 ) الأولى يذكرون بفتح الياء ، مبني للفاعل ، والثانية يذكرون بضم الياء مبنيّ للمفعول . ( 3 ) قرئ خراجا أيضا والمعنى واحد ، والمعنى : أتسألهم رزقا فرزق ربك خير ، وقيل : الخرج : الجعل والخراج : العطاء ، والخرج : المصدر ، والخراج : الاسم . ( 4 ) الصراط في اللغة : الطريق ، وسمي الدين طريقا لأنه طريق إلى الجنة والناكب : العادل عن الشيء المعرض عنه ، وهو مشتق من المنكب وهو جانب الكتف . ( 5 ) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ معطوف على جملة : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ وما بينهما : اعتراض باستدلال عليهم وتنديم لهم وقطع لمعاذيرهم أي : أنهم ليسوا بحيث لو استجاب اللّه جؤارهم ( دعاءهم ) عند نزول العذاب بهم وكشفه عنهم لعادوا إلى ما كانوا فيه من الغمرة والشرك والأعمال السيئة . وهذا كقوله : إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ . ( 6 ) هذا استدلال على مضمون ما في قوله : وَلَوْ رَحِمْناهُمْ الخ ، و ( ال ) في العذاب للعهد أي : بالعذاب المذكور آنفا في قوله : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ ( 7 ) الاستكانة : مصدر بمعنى الخضوع ، مشتقة من السكون ، لأنّ الذي يخضع يقطع الحركة أمام من يخضع له .