أبي بكر جابر الجزائري
528
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
تهجرون بضم التاء وكسر الجيم أي تقولون أثناء سمركم في الليل الهجر من القول كالكفر وقول الفحش وما لا خير فيه من الكلام ، وكانوا كذلك . وقوله تعالى : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا « 1 » الْقَوْلَ الذي يسمعونه من نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيعرفوا أنه حق وخير وأنه فيه صلاحهم أَمْ جاءَهُمْ « 2 » من الدين والشرع ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ فقد جاءت رسل ونزلت كتب وهم يعرفون ذلك . أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فهم له منكرون إنهم يعرفونه بصدقه وطهارته وكماله منذ نشأته وصباه إلى يوم أن دعاهم إلى اللّه أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون وأين الجنون من رجل ينطق بالحكمة ويعمل بها ويدعو إليها بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ « 3 » لِلْحَقِّ كارِهُونَ ، وهذا هو سرّ إعراضهم واستكبارهم - إنه كراهيتهم للحق لطول ما ألفوا الباطل وعاشوا عليه ، وهذه سنة البشر في كل زمان ومكان . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - غمرة الجهل والتعصب وعمى التقليد هي سبب إعراض الناس عن الحق ومعارضتهم له . 2 - لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب أو نزوله . 3 - بيان الذنوب التي أخذ بها مترفو مكة ببدر وهي هروبهم من سماع القرآن ونكوصهم عند سماعه على أعقابهم حتى لا يسمعوه واستكبارهم بالحرم واعتزازهم به جهلا وضلالا واجتماعهم في الليالي الطوال يسمرون على اللهو وقول الباطل هاجرين سماع القرآن وما يدعو إليه من هدى وخير . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 71 إلى 77 ] وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 ) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 77 )
--> ( 1 ) وقيل : القول : القرآن : وسمي قولا لأنهم خوطبوا به ، والاستفهام إنكاري يحمل التقريع والتأنيب . ( 2 ) أَمْ جاءَهُمْ الخ . . أي : فأنكروه وأعرضوا عنه . وقيل : أم بمعنى بل الانتقالية بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به فلذا أنكروه وتركوا التديّن به ، والفاء في : أفلم يدبّروا : للتفريع إذ هذا الكلام متفرع عما سبقه ، والتدبر معناه إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نصبت له ، وأصله النظر في دبر الأمر أي : فيما لا يظهر منه للمتأمل بادئ ذي بدء . ( 3 ) في قوله بل أكثرهم احتراس عرف في القرآن حتى لا ينقض ببعض الأفراد وهو من اعجاز القرآن وبالغ كماله في البلاغة والبيان .