أبي بكر جابر الجزائري
496
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
الْمُنْكَرَ : أي الإنكار الدال عليه عبوس الوجه وتقطيبه . يَسْطُونَ : يبطشون . بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ : هو النار . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في بيان هداية اللّه تعالى لرسوله والمؤمنين ودعوة المشركين إلى ذلك قال تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا « 1 » مَنْسَكاً أي ولكل أمة من الأمم التي مضت والحاضرة أيضا جعلنا لهم منسكا أي مكانا يتنسكون فيه ويتعبدون هُمْ « 2 » ناسِكُوهُ أي الآن ، فلا تلتفت إلى ما يقوله هؤلاء المشركون ، ولا تقبل منهم منازعة في أمر واضح لا يقبل الجدل ، وذلك أن المشركين انتقدوا ذبائح الهدى والضحايا أيام التشريق ، واعترضوا على تحريم الميتة وقالوا كيف تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح اللّه بيمينه وقوله تعالى لرسوله : وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي أعرض عن هذا الجدل الفارغ وادع إلى توحيد ربك وعبادته إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ أي طريق قاصد هاد إلى الإسعاد والاكمال وهو الإسلام وقوله : وَإِنْ جادَلُوكَ « 3 » في بيان بعض المناسك والنسك فاتركهم فإنهم جهلة لا يعلمون وقل : اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي وسيجزيكم بذلك حسنة وسيئة و اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يقضي بينكم أيها المشركون فيما كنتم فيه تختلفون وعندها تعرفون المحق من المبطل منا وذلك يوم القيامة . وقوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ « 4 » ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ بلى إن اللّه يعلم كل ما في السماوات والأرض من جليل ودقيق وجليّ وخفي وكيف لا وهو اللطيف الخبير . إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ وهو اللوح المحفوظ فكيف يجهل أو ينسى ، و إِنَّ ذلِكَ أي كتبه
--> ( 1 ) سبق مثل هذا النزاع بين المؤمنين والمشركين في التذكية عند قول اللّه تعالى من سورة الأنعام : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقوله تعالى : فَلا يُنازِعُنَّكَ معناه : أترك منازعتهم وأعرض عنهم ولا تلتفت إليهم . ( 2 ) سبق مثل هذه الآية في أوّل السورة وهو دال على أنّه لا إله إلا اللّه إذ وحدة التشريع تدل على وحدة المشرع عقلا ولا تنتقض . ( 3 ) في الآية الكريمة أسلوب المتاركة إذا لم تنفع المجادلة لعدم استعداد الخصم لقبول الحق أو تعذر معرفته له . ( 4 ) الاستفهام تقريري بالنسبة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والجملة تحمل التسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم والتخفيف مما يلاقي من جدال المشركين وعنادهم .