أبي بكر جابر الجزائري

488

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الآية تسلية له فقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ « 1 » ذي رسالة يبلغها ولا نبىّ مقرر لرسالة نبي قلبه إِلَّا إِذا تَمَنَّى أي قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ « 2 » أي في قراءته فَيَنْسَخُ اللَّهُ أي يزيل ويبطل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ « 3 » من كلمات في قلوب الكافرين أوليائه ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ بعد إزالة ما قاله الشيطان فيثبتها فلا تقبل زيادة ولا نقصانا ، واللّه عليم بخلقه وأحوالهم وأعمالهم لا يخفى عليه شيء من ذلك حكيم في تدبيره وشرعه هذه سنته تعالى في رسله وأنبيائه . فلا تأس يا رسول اللّه ولا تحزن ثم بين تعالى الحكمة في هذه السنة فقال : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي من كلمات في قراءة النبي أو الرسول فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الشك والنفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وهم المشركون ومعنى فتنة هنا محنة يزدادون بها ضلالا على ضلالهم وبعدا عن الحق فوق بعدهم إذ ما يلقى الشيطان في قلوب أوليائه إلا للفتنة أي زيادة في الكفر والضلال . وقوله تعالى : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ هو إخبار منه تعالى عن حال المشركين بأنهم في خلاف لله ورسوله ، بعيدون فيما يعتقدونه وما يعملونه وما يقولونه ، وما يتصورونه مخالف تمام المخالفة لما يأمر تعالى به ويدعوهم إليه من الاعتقاد والقول والعمل والتصور والإدراك . وقوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ هذا جزء العلة التي تضمنتها سنة اللّه في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول أو النبي فالجزء الأول تضمنه قوله تعالى : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وهذا هو الجزء الثاني أي وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ باللّه وآياته وتدبيره أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي ذلك الإلقاء والنسخ وإحكام

--> ( 1 ) في هذه الآية دليل على أن هناك فرقا بين النبي والرسول لذكر الرسول في الآية ثم النبي : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة : أن كل رسول نبي إذ لا يرسل حتى يوحى إليه وينبّأ وليس كل نبي رسولا إذ ينبئه اللّه تعالى بما شاء ولا يرسله ، وجاء في حديث أبي ذر ( إنّ عدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا أولهم آدم وآخرهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي جمّ غفير ) . ( 2 ) قال سليمان بن حرب إنّ فِي هنا هي بمعنى عند أي : ألقى الشيطان عند قراءته ألقى في قلوب المشركين . ول فِي بمعنى عند نظير هو قوله تعالى وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ أي : عندنا . ( 3 ) ما روي من خبر في قصة الغرانيق كله ضعيف ولم يثبت فيها حديث صحيح قط ، والذي ثبت في الصحيح هو قراءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لسورة النجم وسجوده وسجود المشركين معه والذي عصم منه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو المعصوم أن ينطق بكلمة : تلك الغرانيق العلى . . الخ وإنما نطق بها الشيطان وأسمعها المشركين للفتنة كما في التفسير المثبت فيه رأي ابن جرير إمام المفسّرين رحمه اللّه تعالى .