أبي بكر جابر الجزائري

426

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أي أتعبدون آلهة دون اللّه علمتم أنها لا تنفعكم شيئا ولا تضركم ولا تنطق إذا استنطقت ولا تجيب إذا سئلت أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي قبحا لكم ولتلك التماثيل التي تعبدون من دون اللّه الخالق الرازق الضار النافع أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 1 » قبح عبادتها وباطل تأليهها وهي جماد لا تسمع ولا تنطق ولا تنفع ولا تضر وهنا أجابوا « 2 » بما أخبر تعالى به عنهم فقالوا : حَرِّقُوهُ « 3 » أي أحرقوا إبراهيم بالنار وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ التي أهانها وكسرها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي مريدين نصرتها حقا وصدقا . ونفذوا ما أجمعوا عليه وجمعوا الحطب وأججوا النار في بنيان خاص وألقوه فيه بواسطة منجنيق لقوة لهبها وشدة حرها « 4 » وقال تعالى للنار ما أخبر به في قوله : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ فكانت كما طلب منها ولم تحرق غير وثاقه الحبل الذي شدت به يداه ، ورجلاه ولو لم يقل وسلاما لكان من الجائز أن تنقلب النار جبلا من ثلج ويهلك به إبراهيم عليه السّلام . روى أن والد إبراهيم لما رأى إبراهيم لم تحرقه النار وهو يتفصد عرقا قال : نعم الرب ربك يا إبراهيم ! وقوله تعالى : وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي أرادوا بإبراهيم مكرا وهو إحراقه بالنار فخيّب اللّه مسعاهم وأنجى عبده وخليله من النار وأحبط عليهم ما كانوا يأملون فخسروا في كل أعمالهم التي أرادوا بها إهلاك إبراهيم ، وقوله تعالى : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً « 5 » أي ونجينا إبراهيم وابن أخيه هاران وهو لوط إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا « 6 » فِيها لِلْعالَمِينَ وهي أرض الشام فنزل إبراهيم

--> ( 1 ) الاستفهام للتوبيخ والتأنيب . ( 2 ) بعد أن أعيتهم الحجة وانقطعوا ببيان اللسان لاذوا إلى قوة السنان ، وهذا شأن الإنسان إذا كتب عليه الخسران ، والعياذ بالرحمن . ( 3 ) روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ومجاهد وابن جريج : أنّ الذي قال حرّقوه : رجل من الأكراد من بادية فارس واسمه هيزر وخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة : وقيل : إن القائل : ملكهم نمرود . واللّه أعلم . ( 4 ) روي أنهم جمعوا الحطب في مدة شهر كامل ولما ألقوه في النار عرض له جبريل عليه السّلام فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك فلا ، حسبي اللّه ونعم الوكيل . وقال عليّ وابن عباس رضي اللّه عنهم لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها ولم تبق دابة في المنطقة إلّا أطفأت عن إبراهيم النار إلّا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فلذا أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقتلها وسمّاها الفويسقة . ( 5 ) هذه النجاة ثانية . الأولى كانت من النار وهذه من ديار الكفار ، إذ هاجر من أرض الكلدانيين إلى أرض فلسطين ، وهي بلاد الكنعانيين يومئذ ، وهجرة إبراهيم هذه أول هجرة في تاريخ الإسلام ، إذ خرج إبراهيم وابن أخيه لوط بن هاران وزوجه وابنة عمه سارة عليهم السّلام ، ونصب لوط على المفعول معه ، وضمّن فعل نجيناه معنى الإخراج فعدي بإلى . ( 6 ) قيل لها مباركة لكثرة خصبها وأنهارها وثمارها ولأنها معادن الأنبياء والبركة ثبوت الخير ، ومنه برك البعير . إذا لزم مكانه ولم يبرحه .