أبي بكر جابر الجزائري
424
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
أي التكسير والتحطيم يا إِبْراهِيمُ ؟ فأجابهم بما أخبر تعالى به عنه بقوله : قالَ بَلْ فَعَلَهُ « 1 » كَبِيرُهُمْ هذا يشير بأصبعه إلى كبير الآلهة تورية ، فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ تقريعا لهم وتوبيخا وهنا رجعوا إلى أنفسهم باللائمة فقالوا : إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي حيث تألهون ما لا ينطق ولا يجيب ولا يدفع عن نفسه فكيف عن غيره ، وقوله تعالى : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ « 2 » أي قلبهم اللّه رأسا على عقب فبعد أن عرفوا الحق ولاموا على أنفسهم عادوا إلى الجدال بالباطل فقالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ أي يا إبراهيم ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فكيف تطلب منا أن نسألهم وأنت تعلم أنهم لا ينطقون . كما أن اعترافهم بعدم نطق الآلهة المدعاة انتكاس منهم إذ اعترفوا ببطلان تلك الآلهة . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - الظلم معروف لدى البشر كلهم ومنكر بينهم ولولا ظلمة النفوس لما أقروه بينهم . 2 - إقامة البيّنة على الدعاوي أمر مقرر في عرف الناس وجاءت به الشرائع من قبل . 3 - أسلوب المحاكمة يعتمد على الاستنطاق والاستجواب أولا . 4 - مشروعية التورية خشية القول بالكذب « 3 » . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 66 إلى 72 ] قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 )
--> ( 1 ) قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قاله من أجل أن يقولوا : إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرّون فيقول لهم : فلم تعبدونهم إذا ؟ ! فتقوم له الحجة عليهم من أنفسهم ولذا يجوز فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه فإنه أقطع للشبهة وأقرب في الحجة . ( 2 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم . ( 3 ) الكذب : هو الاخبار بما يخالف الواقع ، والتورية : أن يقول أو يفعل شيئا ويوري بغيره تجنبا للكذب ، وفي الحديث الصحيح : ( لم يكذب إبراهيم النبي في شيء قط إلا في ثلاث : قوله : إني سقيم ، وقوله لسارة : أختي ، وقوله : بل فعله كبيرهم ) وهي في الواقع معاريض وليست بالكذب الصريح ، وكانت في ذات اللّه تعالى .