أبي بكر جابر الجزائري
412
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : كأنّ المشركين قالوا شامتين إن محمدا سيموت ، وقالوا نتربص به ريب المنون فأخبر تعالى أنه لم يجعل لبشر من قبل نبيّه ولا من بعده الخلد حتى يخلد هو صلّى اللّه عليه وسلّم فكل نفس زائقة الموت ، ولكن إن مات رسوله فهل المشركون يخلدون والجواب لا ، إذا فلا وجه للشماتة بالموت لو كانوا يعقلون . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 34 ) وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ « 1 » الْخالِدُونَ وقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ « 2 » أي كل نفس منفوسة ذائقة مرارة الموت بمفارقة الروح للبدن ، والحكمة في ذلك أن يتلقى العبد بعد الموت جزاء عمله خيرا كان أو شرا ، دل عليه قوله بعد : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ من غنى وفقر ومرض وصحة وشدة ورخاء فِتْنَةً أي لأجل فتنتكم أي اختباركم ليرى الصابر الشاكر والجزع الكافر . وقوله تعالى : وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي بعد الموت للحساب والجزاء على كسبكم خيره وشره . وقوله تعالى : وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً يخبر تعالى رسوله بأن المشركين إذا رأوه ما يتخذونه إلا هزوا وذلك لجهلهم بمقامه وعدم معرفتهم فضله عليهم وهو حامل الهدى لهم ، وبين وجه استهزائهم به صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي بعيبها وانتقاصها ، قال تعالى : وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ « 3 » هُمْ كافِرُونَ أي عجبا لهم يتألمون لذكر آلهتهم بسوء وهي محط السوء فعلا ، ولا يتألمون لكفرهم بالرحمن ربهم سبحانه وتعالى حتى إنهم أنكروا أن يكون اسم الرحمن اسما لله تعالى وقالوا لا رحمن الا رحمن اليمامة . وقوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ « 4 » مِنْ عَجَلٍ قال تعالى هذا لما استعجل المشركون
--> ( 1 ) الاستفهام مقدّر أي : أفهم الخالدون ؟ وهو للنفي والإنكار كقول الشاعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي : أهم ؟ ومعنى رفوني سكّنوني يقال رفاه إذا سكنه . ( 2 ) يروى أن الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى أنشد واستشهد بالبيتين الآتيين : تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد ( 3 ) عجبا لجهلهم وسوء فهمهم يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم يجحدون إلهية الرحمن إنّ هذا لغاية الجهل والغرور . ( 4 ) إنّ طبع الإنسان العجلة إنه يستعجل الأشياء وإن كان فيها مضرّته ، ولفظ الإنسان جائز أن يكون المراد به جنس الإنسان أو آدم عليه السّلام قال سعيد بن جبير لما دخل الروح في عين آدم نظر في ثمار الجنة ، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك قوله : تعالى خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ .