أبي بكر جابر الجزائري
398
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ « 1 » يا رسولنا إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ما نريد إبلاغه عبادنا من أمرنا ونهينا . فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ « 2 » إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي فليسأل قومك أهل الكتاب من قبلهم وهم أحبار اليهود ورهبان النصارى إن كانوا لا يعلمون فإنهم يعلمون أن الرسل من قبلهم لم يكونوا إلا بشرا . وقوله تعالى : وَما جَعَلْناهُمْ أي الرسل جَسَداً « 3 » أي أجسادا ملائكية أو بشرية لا يأكل أصحابها الطعام بل جعلناهم أجسادا آدمية تفتقر في بقاء حياتها إلى الطعام والشراب « 4 » فلم يعترض هؤلاء المشركون على كون الرسول بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ وقوله تعالى : ثُمَّ صَدَقْناهُمُ أي أولئك الرسل الْوَعْدَ « 5 » الذي وعدناهم وهو أنا إذا آتينا أقوامهم ما طالبوا به من المعجزات ثم كذبوا ولم يؤمنوا أهلكناهم فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ أي أنجينا رسلنا ومن آمن بهم واتبعهم ، وأهلكنا المكذبين المسرفين في الكفر والعناد والشرك والشر والباطل . وقوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ يقول تعالى لأولئك المشركين المطالبين بالآيات التي قد تكون سبب هلاكهم ودمارهم لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ لهدايتكم وإصلاحكم ثم إسعادكم كِتاباً عظيم الشأن فِيهِ ذِكْرُكُمْ « 6 » أي ما تذكرون به وتتعظون فتهتدون إلى سبيل سلامتكم وسعادتكم ، فيه ذكركم بين الأمم والشعوب لأنه نزل بلغتكم الناس لكم فيه تبع وهو شرف أي شرف لكم . أتشتطون في المكايدة والعناد فلا تعقلون ، ما هو خير لكم مما هو شر لكم .
--> ( 1 ) هذا ردّ على المشركين إذ قالوا : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وتأنيس للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى لا يضيق بما يقولون . ( 2 ) جائز أن يكون أهل الذكر أي : الكتاب الأوّل هم اليهود والنصارى إذ كان أهل مكة يسألون يهود المدينة وجائز أن يكون القرآن وهم المؤمنون ولذا قال عليّ وهو صادق : نحن أهل الذكر . أي : فليناظروا المؤمنين كعلي وأبي بكر الصديق وبلال . وفي الآية دليل على وجوب تقليد العامة العلماء إذ هم أهل الذكر ووجوب العمل بما يفتونهم به ويعلمونهم به . ( 3 ) الجسد : الجسم لا حياة فيه كالجثة . وفي العبارة تهكم بالمشركين لسخف عقولهم إذ أنكروا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أكل الطعام فقالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وهل يعقل وجود أجسام بشرية تستغني عن الأكل والشرب ؟ ( 4 ) ولذا هم يموتون ولا يخلدون وهذه حقيقة الآدمي . ( 5 ) الوعد : منصوب على نزع الخافض أي : صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم ، وهو وعدهم بنصرهم وإهلاك أعدائهم . ( 6 ) فِيهِ ذِكْرُكُمْ : أي : فيه ذكر أمر دينكم وأحكام شرعكم وبيان ما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب وفيه ذكر مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم .