أبي بكر جابر الجزائري
334
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
ولا ينبغي : أي لا يصلح ولا يليق به ذلك لأنه رب كل شيء ومليكه . إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً : أي خاضعا منقادا كائنا من كان . فَرْداً : أي ليس معه شيء لا مال ولا سلطان ولا ناصر . معنى الآيات : ما زال السياق في ذكر مقولات أهل الشرك والجهل والرد عليها من قبل الحق تبارك وتعالى قال تعالى مخبرا عنهم : وَقالُوا أي أولئك الكافرون اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً « 1 » إذ قالت بعض القبائل العربية الملائكة بنات اللّه ، وقالت اليهود عزير بن اللّه وقالت النصارى المسيح بن اللّه . يقول تعالى لهم بعد أن ذكر قولهم لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا « 2 » أي أتيتم بشيء منكر عظيم ، « 3 » تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن منه لقبح هذا القول وسوئه ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ « 4 » هَدًّا أي تسقط لعظم هذا القول لأنه مغضب للجبار عزّ وجل ولولا حلمه ورحمته لمس الكون كله عذاب أليم . وقوله : أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً « 5 » أي أن نسبوا للرحمن ولدا ، وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أي لا يصلح له ولا يليق بجلاله وكماله الولد ، لأن الولد نتيجة شهوة بهيمية عارمة تدفع الذكر إلى اتيان الأنثى فيكون بإذن اللّه الولد ، واللّه عزّ وجل منزه عن مشابهته لمخلوقاته وكيف يشبههم وهو خالقهم وموجدهم من العدم ؟ وقوله تعالى إِنْ كُلُّ « 6 » مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً هذا برهان على بطلان قولة الكافرين الجاهلين ، إذ الذي ما من أحد في السماوات أو في الأرض من ملائكة
--> ( 1 ) قرئ : ولدا بضم الواو وسكون اللام ، وقراءة الجمهور وَلَداً بفتح الواو واللام وهما لغتان مثل : العرب والعرب . والعجم والعجم قال الشاعر : ولقد رأيت معاشرا * قد ثمّروا مالا وولدا وقال آخر : مهلا فداء لك الأقوام كلهم * وما أثمر من مال ومن ولد ففي البيت الأول شاهد ولد بسكون اللام وفي الثاني شاهد لفتحها مع ضم الواو في الأول وفتحا في الثاني . ( 2 ) الإد والإدة : الداهية والأمر الفظيع . قال ابن عباس : الإدّ : المنكر العظيم . ( 3 ) تَكادُ بالتاء قراءة العامة ، وقرأ نافع بالياء يكاد . ( 4 ) الهدّ : الهدم بصوت شديد ، والهدّة : صوت وقع الحائط ونحوه . ( 5 ) روى البخاري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله : ( يقول اللّه تبارك وتعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك . فأمّا تكذيبه إياي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته . وأمّا شتمه إيّاي : فقوله : اتخذ اللّه ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . ( 6 ) إِنْ نافية بمعنى ما . في الآية دليل على عدم جواز ملك الوالد للولد ولا الولد للوالد ، وفي الحديث الصحيح : ( لا . . ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . فإذا لم يملك الأب ابنه فلأن لا يملك الابن أباه من باب أولى .