أبي بكر جابر الجزائري

277

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الخضر قتله الغلام بغير نفس ، ولا جرم ارتكبه ، وبالغ موسى في إنكاره إلى أن قال : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً « 1 » فأجابه خضر بما أخبر تعالى به في قوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لما سألتني الصحبة للتعليم ، فأجاب موسى بما أخبر تعالى به في قوله : قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي أي اترك صحبتي فإنك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ « 2 » لَدُنِّي أي من جهتي وقبلي عذرا في تركك إياي . قال تعالى : فَانْطَلَقا في سفرهما حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ ( أي مدينة ) قيل إنها أنطاكية ووصلاها في الليل والجو بارد فاستطعما أهلها أي طلبا منهم طعام الضيف الواجب له فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما « 3 » ، فَوَجَدا فِيها أي في القرية جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي يسقط فأقامه الخضر وأصلحه فقال موسى له : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي جعل مقابل إصلاحه ، لا سيما أن أهل هذه القرية لم يعطونا حقنا من الضيافة . وهنا قال الخضر لموسى : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ لأنك تعهدت إنك إذا سألتني بعد حادثة قتل الغلام عن شئ أن لا تطلب صحبتي وها أنت قد سألتني ، فهذا وقت « 4 » فراقك إذا سَأُنَبِّئُكَ أي أخبرك بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - وجوب الوفاء بما التزم به الإنسان لآخر . 2 - وجوب الضيافة لمن استحقها . 3 - جواز التبرع بأي خير أو عمل ابتغاء وجه اللّه تعالى .

--> ( 1 ) اختلف في أيهما أبلغ : إمرا أو نكرا ، ورجّح بعضهم أن إمرا فيما لم يحدث من فعل منكر فيكون خاصا بالمستقبل ، ومعناه : أمر فظيع مهيل ونكرا : يكون فيما وقع فهو بيّن الفساد بالغ في النكر واجب الإنكار . ( 2 ) قرئ : مِنْ لَدُنِّي بتخفيف الدال وقرئ في السبع بتشديدها وقرئ عُذْراً بسكون الذال وقرئ في السبع أيضا بضمهما ، وضمّ العين قبلها كنذر ونذر . ( 3 ) في الحديث : ( إنهم كانوا لئاما بخلاء ) وهو تعليل لعدم استضافة موسى والخضر . ( 4 ) في البخاري : هنا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( يرحم اللّه موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما ) .