أبي بكر جابر الجزائري

272

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

أتعلم منه علما أزيده على علمي ، أَوْ أَمْضِيَ « 1 » حُقُباً أي أواصل سيري زمنا طويلا حتى أظفر بهذا العبد الصالح لأتعلم عنه . قوله تعالى : فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما أي بين البحرين وهما بحر الروم وبحر فارس عند باب المندب حيث التقى البحر الأحمر والبحر الهندي . أو البحر الأبيض والأطلنطي عند طنجة واللّه أعلم بأيهما أراد . وقوله نَسِيا حُوتَهُما أي نسي الفتى الحوت ، إذ هو الذي كان يحمله ، ولكن نسب النسيان إليهما جريا على المتعارف من لغة العرب « 2 » ، وهذا الحوت قد جعله اللّه تعالى علامة لموسى على وجود الخضر حيث يفقد الحوت ، إذ القصة كما في البخاري تبتدئ بأن موسى خطب يوما في بني إسرائيل فأجاد وأفاد فأعجب به شاب من بني إسرائيل فقال له : هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى ؟ فقال : لا . فأوحى إليه ربه فورا بلى عبدنا خضر ، فتاقت نفسه للقياه للتعلم عنه ، فسأل ربه ذلك ، فأرشده إلى مكان لقياه وهو مجمع البحرين ، وجعل له الحوت علامة فأمره أن يأخذ طعامه حوتا وأعلمه أنه إذا فقد الحوت فثم يوجد عبد اللّه خضر ومن هنا لما بلغا مجمع البحرين واستراحا فنام موسى « 3 » والفتى شبه نائم وإذا بالحوت يخرج من المكتل « وعاء » ويشق طريقه إلى البحر فينجاب عنه البحر فيكون كالطاق أو النفق آية لموسى . ويغلب النوم على يوشع فينام فلما استراحا قاما مواصلين سيرهما ونسي الفتى وذهب من نفسه خروج الحوت من المكتل ودخوله في البحر لغلبة النوم فلما مشيا مسافة بعيدة وشعرا بالجوع وقد جاوزا المنطقة التي هي مجمع البحرين « 4 » قال موسى للفتى « 5 » آتِنا غَداءَنا وعلل ذلك بقوله : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً أي تعبا . هنا قال الفتى لموسى ما قصّ اللّه تعالى : قال مجيبا لموسى أَ رَأَيْتَ أي أتذكر إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ التي استراحا عندها فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وقال كالمعتذر ، وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ « 6 » ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ أي طريقه فِي الْبَحْرِ عَجَباً أي حيي بعد موت

--> ( 1 ) قال النحاس : الحقب : زمان من الدهر مبهم غير محدود وجمعه أحقاب وورد الحقب مقدرا بثمانين سنة ، إلّا أنه في قول موسى هذا مراده الأوّل وهو زمن غير محدود . ( 2 ) نحو قوله : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ مع أنه لا يخرج إلّا من البحر الملح ونحو قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ مع العلم أن الرسل من الإنس فقط . ( 3 ) في البخاري : أن موسى عليه السّلام قال ليوشع لا أكلفك إلّا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت قال الفتى : ما كلّفت كثيرا . ( 4 ) هذا يرجح أن يكون البحران : نهر الأردن وبحيرة طبريّة . ( 5 ) في الآية دليل على وجوب حمل الزاد في السفر ففي هذا رد على المتصوفة الذين يخرجون بلا زاد بدعوى التوكل ثمّ هم يسألون الناس ، وشاهد هذا آية البقرة إذ نزلت في أناس من اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون فنزل قوله تعالى : وَتَزَوَّدُوا . . الآية . ( 6 ) أن : وما دخلت عليه تسبك بمصدر فيقال : وما أنساني ذكره إلا الشيطان .