أبي بكر جابر الجزائري

17

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ « 1 » أي إلا كاستجابة « 2 » من بسط يديه أي فتحهما ومدهما إلى الماء والماء في قعر البئر فلا كفاه تصل إلى الماء ولا الماء يصل إلى كفيه وهو عطشان ويظل كذلك حتى يهلك عطشا ، هذا مثل من يعبد غير اللّه تعالى بدعاء أو ذبح أو نذر أو خوف أو رجاء فهو محروم الاستجابة خائب في مسعاه ولن تكون له عاقبة إلا النار والخسران وهو معنى قوله تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ « 3 » أي بطلان وخسران ، وقوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ أي الملائكة وَالْأَرْضِ أي من مؤمن يسجد طوعا ، ومنافق أي يسجد كرها ، « 4 » وَظِلالُهُمْ تسجد أيضا بِالْغُدُوِّ أوائل النهار ، وَالْآصالِ « 5 » أواخر النهار . ومعنى الآية الكريمة : إذا لم يسجد الكافرون أي لم ينقادوا لعبادة اللّه وحده تعالى فإنّ لله يسجد من في السماوات من الملائكة ، ومن في الأرض من الجن والإنس المؤمنون يسجدون طائعين والكافرون يسجدون إذا أكرهوا على السجود والمنافقون يسجدون مكرهين ، وظلالهم تسجد في البكر والعشايا كما أنهم منقادون لقضاء اللّه تعالى وحكمه فيهم لا يستطيعون الخروج عنه بحال فهو الذي خلقهم وصورهم كما شاء ورزقهم ما شاء ويميتهم متى شاء فأي سجود وخضوع وركوع أظهر من هذا ؟ وقوله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما ؟ وأمر رسوله أن يسبقهم إلى الجواب قُلِ اللَّهُ إذ لا جواب لهم إلا هو ، وبعد أن أقروا بأن الرب الحق هو اللّه ، أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم موبخا مقرعا أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ « 6 » أي شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فضلا عن أن يملكوا لكم نفعا أو يدفعون عنكم ضرا فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون ، ومبالغة في البيان وإقامة للحجة والبرهان على وجوب التوحيد وبطلان الشرك والتنديد أمر رسوله أن يقول لهم : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى

--> ( 1 ) ضرب اللّه تعالى هذا المثل المائي لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد ، قال الشاعر : فأصبحت فيما كان بيني وبينها * من الودّ مثل القابض الماء باليد ( 2 ) هذا التفسير مروي عن علي رضي اللّه عنه . ( 3 ) الضلال : التلف والضياع ، والجملة : بيان لخيبة المشركين في عبادة أصنامهم ودعائها وتقرير لخسرانهم . ( 4 ) وكافر يسجد بخضوعه لأحكام اللّه تعالى الجارية عليه ولا يقدر على ردّها من غنى وفقر ، وصحة ومرض وسعادة وشقاوة . ( 5 ) الآصال : جمع أصل : وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب . وجمع الجمع أصائل ، قال الشاعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل ( 6 ) الاستفهام للتوبيخ والتقرير .