أبي بكر جابر الجزائري

156

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

متوكلين على اللّه . وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ : أي بنسخها وإنزاله آية أخرى غيرها لمصلحة العباد . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ : أي جبريل عليه السّلام . لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا : أي على إيمانهم . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في هداية المسلمين وتكميلهم ، فقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ يا محمد أنت أو أحد من المؤمنين أتباعك فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي إذا كنت قارئا عازما على القراءة فقل أعوذ باللّه « 1 » من الشيطان الرجيم ، فإن ذلك يقيك من وسواسه الذي قد يفسد عليك تلاوتك « 2 » ، وقوله : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أي للشيطان سُلْطانٌ يعني تسلط وغلبة وقهر عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وهذه بشرى خير للمؤمنين إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ « 3 » بطاعته والعمل بتزيينه للشر والباطل « 4 » ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ « 5 » مُشْرِكُونَ . هؤلاء هم الذين يتسلط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلهم حتى يهلكهم . وقوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ أي نسخنا حكما بحكم آخر بآية أخرى قال المشركون المكذبون بالوحي الإلهي إِنَّما أَنْتَ يا محمد مُفْتَرٍ تقول بالكذب والخرص ، أي يقول اليوم شيئا ويقول غدا خلافه . وقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ فإنه ينزله لمصلحة عباده فينسخ ويثبت لأجل مصالح المؤمنين . وعلم اللّه تعالى رسوله كيف يرد على هذه الشبهة وقال له قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ « 6 » مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فلست أنت الذي تقول ما تشاء وإنما هو وحي اللّه وكلامه ينزل به جبريل عليه السّلام من عند ربك بالحق الثابت عند اللّه الذي لا يتبدل ولا يتغير ، وذلك لفائدة تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وإسلامهم .

--> ( 1 ) هذه كآية الوضوء : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا . . أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على غير وضوء فاغسلوا وجوهكم أي : توضئوا . ( 2 ) لقد صحت الأحاديث الكثيرة في أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعوّذ في صلاته قبل القراءة روي أن بعض السلف كان يتعوّذ بعد القراءة أخذا بهذه الآية . ( 3 ) فائدة الاستعاذة قبل القراءة أن يحفظ المرء من أن يلبس عليه إبليس قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبّر . ( 4 ) قيل في قوله تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ : أي أنه لا يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه . ( 5 ) الضمير في بِهِ عائد إلى الشيطان ويصح عوده على اللّه تعالى . ( 6 ) روح القدس : جبريل عليه السّلام : ( فقد نزل بالقرآن كله ناسخه ومنسوخه ما عدا الفاتحة فقد نزل بها ملك لم ينزل إلى الأرض قط ) رواه مسلم .