أبي بكر جابر الجزائري

11

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وقوله تعالى : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ « 1 » أي والحال أن العقوبات قد مضت في الأمم من قبلهم كعقوبة اللّه لعاد وثمود وأصحاب الأيكة والمؤتفكات فما لهم يطالبون بها استبعادا لها واستخفافا بها أين ذهبت عقولهم ؟ وقوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ « 2 » عَلى ظُلْمِهِمْ وهو ظاهر مشاهد إذ لو كان يؤاخذ بالظلم لمجرد وقوعه فلم يغفر لأصحابه لما ترك على الأرض من دابة ، وقوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ أي على من عصاه بعد أن أنذره وبين له ما يتقي فلم يتق ما يوجب له العذاب من الشرك والمعاصي . وقوله تعالى في الآية الثالثة ( 7 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! يخبر تعالى رسوله والمؤمنين عن قيل الكافرين بالتوحيد والبعث والنبوة : لَوْ لا أي هلا أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آية من ربه كعصا موسى وناقة صالح ، حتى نؤمن بنبوته ونصدق برسالته ، فيرد تعالى عليهم بقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ والمنذر المخوف من العذاب وليس لازما أن تنزل معه الآيات ، وعليه فلا تلتفت إلى ما يطالبون به من الآيات ، واستمر على دعوتك فإن لكل قوم « 3 » هاديا وأنت هادي هذه الأمة ، وداعيها إلى ربها فادع واصبر . وقوله تعالى في الآية الرابعة ( 8 ) اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى « 4 » أي من ذكر أو أنثى واحدا أو اثنين أبيض أو أسمر سعيدا أو شقيا ، وقوله : وَما تَغِيضُ « 5 » الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ أي ويعلم ما تغيض الأرحام من دماء الحيض « 6 » وما تزداد منها إذ غيضها ينقص من مدة الحمل وازديادها يزيد في مدة الحمل فقد تبلغ السنة أو أكثر ، وقوله : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي وكل شيء في حكمه وقضائه وتدبيره بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص في ذات ولا صفة

--> ( 1 ) الْمَثُلاتُ : جمع مثلة ، وهي العقوبة نحو : صدقة وصدقات ، وتضم الميم وتسكن الثاء مثلة كغرفة والجمع مثل كقرب وهي العقوبة الشديدة التي تكون مثالا تمثل بها العقوبات . ( 2 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنه هذه أرجى آية في كتاب اللّه ، قال سعيد بن المسيّب ، لمّا نزلت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( لولا عفو اللّه ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحدا عيشه ولولا عقابه ووعيده وعذابه لا تكل كل أحد ) . ( 3 ) هادي كل أمة رسولها الذي بعث فيها وخلفاء الأنبياء وحواريوهم هداة يهدون من بعدهم واللّه يهدي من يشاء . ( 4 ) قال القرطبي : من ذكر أو أنثى : صبيح أو قبيح صالح أو طالح . وقوله : كُلُّ أُنْثى يفيد عموم كل أنثى في الإنسان والحيوان ، وهو كذلك . ( 5 ) العادة أنّ انحباس الحيض دال على العلوق أي : الحمل ، وفيضان الدم دال على عدم الحمل ، وتفسير الآية بهذا حسن ، فاللّه تعالى يعلم ما تغيض الأرحام من الدم ، لانشغال الرحم بالعلقة ثمّ بالجنين ، وما تزداد من الدم حتى يفيض عنها ، ويخرج ، وهو دم من لا حمل لها . وما في التفسير وجه وهذا الوجه أوضح . ( 6 ) استدل بالآية من قال : الحامل لا تحيض وهو أبو حنيفة . والجمهور على أنها تحيض كما استدل بها كل من قال : الحمل تزيد مدته إلى أربع سنوات ، وهو الجمهور ، وخالف الظاهرية في ذلك .