أبي بكر جابر الجزائري
643
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
بما صنعوا به من إلقائه في الجب وبيعه عبدا وبذلك فرقوا بينه وبين والده وأخيه شقيقه وقوله : إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ أي بما يصير إليه أمر يوسف وهنا قالوا في اندهاش وتعجب : أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ فأجابهم قائلا بما أخبر تعالى به عنه قالَ أَنَا يُوسُفُ « 1 » وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أي أنعم علينا فجمع بيننا على أحسن حال ثم قال : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ أي يتق اللّه يخافه فيقيم فرائضه ويتجنب نواهيه ويصبر على ذلك وعلى ما يبتليه به فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ « 2 » أي في طاعة ربهم والإسلام له ظاهرا وباطنا . وهنا قالوا له ما أخبر به تعالى عنهم : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا « 3 » أي بالعلم والعمل والفضل وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ فيما فعلنا بك ، فكان هذا توبة منهم فقال لهم : لا تَثْرِيبَ « 4 » عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي لا عتب ولا لوم ولا ذكر لما صنعتم لأنه يؤذي يَغْفِرُ « 5 » اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ سأل اللّه تعالى له ولهم المغفرة وأثنى على اللّه تعالى بأنه أرحم الراحمين متعرضا لرحمته تعالى له ولإخوته . ثم سألهم عن والده فأخبروه أنه قد عمي من الحزن عليه فقال : اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً « 6 » أي يرجع بصيرا كما كان وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ « 7 » يريد أبويه والنساء والأطفال والأحفاد . وهو تحول كامل للأسرة الشريفة من أرض كنعان إلى أرض مصر تدبيرا من اللّه العزيز الحكيم . هداية الآيات
--> ( 1 ) الجملة تعليلية ، والمعلل له محذوف هو جواب الشرط تقديره : ينعم اللّه تعالى عليه وينصره ويكرمه ، فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . ( 2 ) آثره بكذا : إذا فضّله به ، والمصدر : الإيثار ، واسم الفاعل مؤثر . ( 3 ) التثريب : التوبيخ ، والتقريع ، واللوم ، وفي الحديث الصحيح : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها ) أي : لا يعيّرها . قال الشاعر : فعفوت عنهم غير مثرّب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد ( 4 ) لا يصحّ تعليق اليوم بيغفر اللّه إذ لا يعلم الغفران متى يتم لهم فكيف يصح أن يقال : يغفر اللّه لكم اليوم أو غدا ؟ بل يتعلق اليوم بكلمة لا تثريب . ( 5 ) قال عطاء الخرساني : طلب الحوائج من الشباب أسهل منها من الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف : يغفر اللّه لكم . وقال يعقوب : سوف استغفر لكم ربي . ( 6 ) لا شك أنّ هذا العلم حصل ليوسف بوحي من اللّه تعالى ، ولعل يوسف نبئ ساعتئذ وأراد يوسف بإلقاء القميص على وجه أبيه المفاجأة السارة لتكون سببا في رجوع البصر . ( 7 ) قال مسروق : كانوا ثلاثة وتسعين نسمة ما بين رجل وامرأة .