أبي بكر جابر الجزائري
560
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
إليه فدعا صالح ربّه فاستجاب اللّه تعالى له وتمخض الجبل عن ناقة عشراء هي عجب في خلقتها وكمالها فقال عندئذ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ أضافها إلى اللّه لأنها كانت بقدرته ومشيئته لَكُمْ آيَةً أي علامة لكم على صدق ما دعوتكم إليه من عبادة اللّه وحده وترك عبادة الأوثان ، فذروها « 1 » تأكل في أرض اللّه أي خلّوها تأكل من نبات الأرض من المراعي العامة التي ليست لأحد ، ولا تمسوها بسوء كعقرها أو ذبحها وقتلها فيأخذكم عذاب قريب « 2 » قد لا يتأخر أكثر من ثلاثة أيام . فكذبوه فعقروها فلما رأى ذلك قال لهم بأمر اللّه تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ « 3 » ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي عيشوا فيها . ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي ذلك الوعد وعد صادق غير مكذوب فيه . هذا ما دلت عليه الآيتان ( 64 - 65 ) وقال تعالى : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي لما اكتملت المدة التي حددت لهم وجاء أمر اللّه بعذابهم نجى اللّه تعالى رسوله صالحا والمؤمنين برحمة منه أي بلطف ونعمة منه عزّ وجل وقوله وَمِنْ خِزْيِ « 4 » يَوْمِئِذٍ أي ونجاهم من ذل ذلك اليوم وعذابه ، وقوله إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ أي إن ربك يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قوي إذا بطش عزيز غالب لا يغلب على أمر يريده . هذا ما دلت عليه الآية الثالثة ( 66 ) وأما الآيتان بعد فقد أخبر تعالى فيهما عن هلاك ثمود بقوله وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ « 5 » فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ أي إنّ الذين أشركوا بربهم وكذبوا بآياته أخذتهم الصيحة فانخلعت لها قلوبهم فهلكوا وأصبحوا في ديارهم جاثمين على ركبهم كأن لم يغنوا بديارهم ولم يعمروها قال تعالى أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ أي هلاكا لثمود ، وبهذا التنديد والوعيد بعد الهلاك والعذاب المخزي انتهت قصة صالح مع قومه ثمود الذين آثروا الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - إعطاء اللّه تعالى الآيات للمطالبين بها لا يستلزم الإيمان بها .
--> ( 1 ) ذروها أمر ، وماضيه وذر شاذ وكذا اسم الفاعل فلا يقال وذر فهو واذر ، والمستعمل منه المضارع والأمر لا غير . ومعناه ترك وبه استغنى عن وذر . ( 2 ) أي من يوم قتلها وهو كذلك فلم يتأخر . ( 3 ) ليتمتع كل واحد منكم في داره عن ثلاثة أيام إذ عقروا الناقة يوم الأربعاء فأصبحوا يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة وأصبحوا يوم الجمعة وهو اليوم الثاني من أيام التمتع في ديارهم ووجوههم محمرة وأصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة وأخذوا صباح الأحد . ( 4 ) من فضيحته وذلته وقرأ نافع بنصب يومئذ وقرأ غيره بكسرها على الإضافة . ( 5 ) جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض فخروا على الأرض جاثمين جثوم الطير على الأرض إذا ألصقت بطونها بها وسكنت لا تتحرك .