أبي بكر جابر الجزائري

546

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : ما زال السياق في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ أي واصل صنع السفينة حتى إذا جاء أمرنا أي بإهلاك المشركين ، وفار « 1 » التنور أي خرج الماء من داخل التنور وفار وتلك علامة بداية الطوفان فاحمل فيها أي في السفينة التي صنعت من كل زوجين « 2 » اثنين أي من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين أي ذكرا وأنثى . وأهلك أي واحمل أهلك من زوجة وولد كسام وحام ويافث إلا من سبق عليه القول أي بالإهلاك كامرأته واعلة وولده كنعان . ومن آمن « 3 » أي واحمل من آمن من سائر الناس ، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ أي نحو من ثمانين رجلا وامرأة هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 40 ) أما الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن نوحا قال لجماعة المؤمنين ارْكَبُوا فِيها أي في السفينة بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها « 4 » وَمُرْساها أي باسم اللّه تجري وباسم اللّه ترسو أي تقف إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ « 5 » أي فهو لا يهلكنا بما قد يكون لنا من ذنب ويرحمنا فينجينا ويكرمنا . وقوله تعالى في الآية الثالثة ( 42 ) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وصف للسفينة وهي تغالب الماء وتمخر عبابه وأمواج الماء ترتفع حتى تكون كالجبال في ارتفاعها وقبلها نادى نوح ابنه كنعان ، وهو في هذه الساعة في معزل « 6 » اي من السفينة حيث رفض الركوب فيها لعقوقه وكفره « 7 » فقال له يا بُنَيَّ ارْكَبْ « 8 » مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ فتغرق كما يغرقون فأجاب الولد قائلا

--> ( 1 ) الفوران : غليان القدر ، ويطلق على نبع الماء بشدّة تشبيها بفوران ماء في القدر إذا غلى ، والتنور : اسم لموقد النار للخبز . ( 2 ) قرأ حفص مِنْ كُلٍّ بتنوين كل فالتنوين عوض عن مضاف إليه أي : من كل المخلوقات ، و زَوْجَيْنِ مفعول ل ( احمل ) ، واثنين : نعت له وقرأ الجمهور بإضافة كلّ إلى زوجين ، والمراد بالزوجين هنا : الذكر والأنثى من كل نوع من أنواع الحيوانات . ( 3 ) ومن آمن : أي : كل المؤمنين . ( 4 ) جائز أن يكون القائل : ارْكَبُوا فِيها اللّه جلّ جلاله ، وجائز أن يكون نوحا عليه السّلام والركوب : العلو على ظهر شيء ، وقال : فيها ، ولم يقل عليها لأنها ظرف لهم يدخلون فيها . ( 5 ) قرأ الجمهور بضم الميم في كل من مجراها ، ومرساها ، وهما مصدران من : أجرى وأرسى ، وقرأ عاصم بفتح ميم مجراها ، وضم ميم مرساها كالجمهور ، ولم يفتح ميم مرساها لاشتباهه . حينئذ المرسى مكان الرسو ، وقرئ مجراها ، ومرسيها باسم الفاعل أي : بسم اللّه مجراها ومرسيها . ( 6 ) روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم اللّه الرحمن الرحيم : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . ( 7 ) وقيل : في معزل أي : من دين أبيه . ( 8 ) قرأ حفص : يا بُنَيَّ بفتح الياء المشددة وكسرها غير عاصم .