أبي بكر جابر الجزائري

467

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

فقال وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها فالذين كسبوا سيئات الشرك « 1 » والمعاصي فأساء ذلك إلى نفوسهم فدساها وخبثها جزاؤهم جهنم وترهقهم ذلة في عرصات القيامة وليس لهم من اللّه من عاصم يعصمهم من عذاب اللّه . كأنما وجوههم لسوادها قد أغشيت قطعا من « 2 » الليل مظلما وقوله تعالى أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ تقرير لمصيرهم والعياذ بالله وهو ملازمة النار وعدم الخروج منها بخلودهم فيها . هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى ( 26 ) والثانية ( 27 ) أما الآيات الثالثة والرابعة والخامسة فإنها تضمنت عرضا سريعا لحشر الناس يوم القيامة ، والمراد بذلك تقرير عقيدة الإيمان باليوم الآخر فقال تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً « 3 » أي في عرصات القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أي بنا آلهة عبدوها دوننا مَكانَكُمْ أي قفوا لا تبرحوا مكانكم أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ ، ثم يزايل اللّه تعالى أي يفرق بينهم وهو معنى قوله تعالى فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ولا شك أنهم يقولون ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ندعو من دونك فلذا ذكر تعالى ردهم عليهم في قوله وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ « 4 » ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ أي لأننا ما كنا نسمعكم ولا نبصركم ولا أمرناكم بعبادتنا وهذا قول كل من عبد من دون اللّه من سائر الأجناس فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا أي واللّه إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ غير شاعرين بحال من الأحوال بعبادتكم . قال تعالى هُنالِكَ أي في ذلك الموقف الرهيب تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي تختبر ما قدمت في دنياها وتعرفه هل هو ضار بها أو نافع لها وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ « 5 » الْحَقِّ « 6 » وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ هكذا يجدون أنفسهم أمام مولاهم ومالك

--> ( 1 ) ذكرنا في التفسير : كسبوا الشرك والمعاصي لأنّ الشرك هو الموجب للخلود في النار لا المعاصي ، بدليل الحكم عليهم بالخلود في النار في آخر السياق . ( 2 ) جمع قطعة ، وهي الجزء من الشيء فهي فعلة بمعنى مفعولة إذ هي مقطوعة من شيء كامل . والمظلم : الإظلام لا كواكب فيه ولا قمر . ( 3 ) أي : سعداء وأشقياء أهل الحسن وأهل الذلة ، إذ الحشر يكون لسائر الخلائق لا يتخلف أحد من الخلق . ( 4 ) الشركاء : يكونون من الأصنام والأوثان والملائكة والإنس والجنّ والتبرؤ حاصل إذ ليس هناك من يقوى على الاعتراف بجريمة الشرك ، أمّا الملائكة والأنبياء والصالحون فإنهم لم يكونوا راضين بعبادة المشركين لهم فتبرّؤهم صحيح ، وأمّا الأصنام والأوثان فإنها لم تأمر بعبادتها وإنما الذي أمر بعبادتها الشياطين فتبرؤها صحيح . ( 5 ) مَوْلاهُمُ : الخالق ، الرازق ، المدبر لأمورهم وشؤون حياتهم والمستوجب لعبادتهم هو اللّه جل جلاله ، فهو مولاهم الحق ، لا الذي اختلقوه كذبا وعبدوه من دون اللّه فذاك مولى باطل وإله مكذوب . ( 6 ) الْحَقِّ : هو الموافق للواقع والصدق ، فالمولوية الحقة للّه تعالى لا لمخلوقاته ، وكلها مخلوقة له مربوبة .